و هو قوله:"يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ"ظرف للنعمة أو لثبوتها"جاءتكم جنود"من طوائف كل واحدة منهم جند كغطفان وقريش وغيرهما"فأرسلنا"بيان للنعمة وهو الإرسال المتفرع على مجيئهم"عليهم ريحا"وهي الصبا وكانت باردة في ليال شاتية"و جنودا لم تروها"وهي الملائكة لخذلان المشركين"و كان الله بما تعملون بصيرا".
قوله تعالى:"إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم"إلخ الجاءون من فوقهم وهو الجانب الشرقي للمدينة غطفان ويهود بني قريظة وبني النضير والجاءون من أسفل منهم وهو الجانب الغربي لها قريش ومن انضم إليهم من الأحابيش وكنانة فقوله:"إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم"عطف بيان لقوله:"إذ جاءتكم جنود".
وقوله:"إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر"، عطف بيان آخر لقوله:"إذ جاءتكم"إلخ ، وزيغ الأبصار ميلها والقلوب هي الأنفس والحناجر جمع حنجر وهو جوف الحلقوم.
والوصفان أعني زيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر كنايتان عن كمال غشيان الخوف لهم حتى حولهم إلى حال المحتضر الذي يزيغ بصره وتبلغ روحه الحلقوم.
وقوله:"و تظنون بالله الظنونا"أي يظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض الظنون فبعضهم يقول: إن الكفار سيغلبون ويستولون على المدينة ، وبعضهم يقول: إن الإسلام سينمحق والدين سيضيع ، وبعضهم يقول: إن الجاهلية ستعود كما كانت ، وبعضهم يقول: إن الله غرهم ورسوله إلى غير ذلك من الظنون.
قوله تعالى:"هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا"هنالك إشارة بعيدة إلى زمان أو مكان والمراد الإشارة إلى زمان مجيء الجنود وكان شديدا عليهم لغاية بعيدة ، والابتلاء الامتحان ، والزلزلة والزلزال الاضطراب ، والشدة القوة وتختلفان في أن الغالب على الشدة أن تكون محسوسا بخلاف القوة ، قيل: ولذلك يطلق القوي عليه تعالى دون الشديد.
والمعنى في ذلك الزمان الشديد امتحن المؤمنون واضطربوا خوفا اضطرابا شديدا.
قوله تعالى:"و إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا"الذين في قلوبهم مرض هم ضعفاء الإيمان من المؤمنين وهم غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، وإنما سمي المنافقون الرسول لمكان إظهارهم الإسلام.
والغرور حمل الإنسان على الشر بإراءته في صورة الخير والاغترار احتماله له.
قال الراغب: يقال: غررت فلانا أصبت غرته ونلت منه ما أريد ، والغرة - بكسر الغين - غفلة في اليقظة.
انتهى.
والوعد الذي يعدونه غرورا من الله ورسوله لهم بقرينة المقام هو وعد الفتح وظهور الإسلام على الدين كله وقد تكرر في كلامه تعالى كما ورد أن المنافقين قالوا: يعدنا محمد أن يفتح مدائن كسرى وقيصر ونحن لا نأمن أن نذهب إلى الخلاء.
قوله تعالى:"و إذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا"يثرب اسم المدينة قبل الإسلام ثم غلب عليه اسم مدينة الرسول بعد الهجرة ثم المدينة ، والمقام بضم الميم الإقامة ، وقولهم: لا مقام لكم فارجعوا أي لا وجه لإقامتكم هاهنا قبال جنود المشركين فالغلبة لهم لا محالة فارجعوا ثم أتبعه بحكاية ما قاله آخرون فقال عاطفا على قوله: قالت طائفة:"و يستأذن فريق منهم"أي من المنافقين والذين في قلوبهم مرض"النبي"في الرجوع"يقولون"استئذانا"إن بيوتنا عورة"أي فيها خلل لا يأمن صاحبها دخول السارق وزحف العدو"و ما هي بعورة إن يريدون"أي ما يريدون بقولهم هذا"إلا فرارا".
قوله تعالى:"و لو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا"ضمائر الجمع للمنافقين والمرضى القلوب والضمير في"دخلت"للبيوت ومعنى دخلت عليهم دخل الجنود البيوت حال كونه دخولا عليهم ، والأقطار جمع قطر وهو الجانب ، والمراد بالفتنة بقرينة المقام الردة والرجعة من الدين والمراد بسؤالها طلبها منهم ، والتلبث التأخر.
والمعنى: ولو دخل جنود المشركين بيوتهم من جوانبها وهم فيها ثم طلبوا منهم أن يرتدوا عن الدين لأعطوهم مسئولهم وما تأخروا بالردة إلا يسيرا من الزمان بمقدار الطلب والسؤال أي إنهم يقيمون على الدين ما دام الرخاء فإذا هجمت عليهم الشدة والبأس لم يلبثوا دون أن يرجعوا.