قوله تعالى:"و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا"اللام للقسم ، وقوله:"لا يولون الأدبار"أي لا يفرون عن القتال وهو بيان للعهد ولعل المراد بعهدهم من قبل هو بيعتهم بالإيمان بالله ورسوله وما جاء به رسوله ومما جاء به: الجهاد الذي يحرم الفرار فيه ومعنى الآية ظاهر.
قوله تعالى:"قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا"إذ لا بد لكل نفس من الموت لأجل مقضي محتوم لا يتأخر عنه ساعة ولا يتقدم عليه فالفرار لا يؤثر في تأخير الأجل شيئا.
وقوله:"و إذا لا تمتعون إلا قليلا"أي وإن نفعكم الفرار فمتعتم بتأخر الأجل فرضا لا يكون ذلك التمتيع إلا تمتيعا قليلا أو في زمان قليل لكونه مقطوع الآخر لا محالة.
قوله تعالى:"قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا"كانت الآية السابقة تنبيها لهم على أن حياة الإنسان مقضي مؤجل لا ينفع معه فرار من الزحف وفي هذه الآية تنبيه - على أن الشر والخير تابعان لإرادة الله محضا لا يمنع عن نفوذها سبب من الأسباب ولا يعصم الإنسان منها أحد فالحزم إيكال الأمر إلى إرادته تعالى والقرار على أمره بالتوكل عليه.
ولما كانت قلوبهم مرضى أو مشغولة بكفر مستبطن عدل عن أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتكليمهم إلى تكليم نفسه فقال:"و لا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا".
قوله تعالى:"قد يعلم الله المعوقين منكم - إلى قوله - يسيرا التعويق التثبيط والصرف ، وهلم اسم فعل بمعنى أقبل ، ولا يثنى ولا يجمع في لغة الحجاز ، والبأس الشدة والحرب ، وأشحة جمع شحيح بمعنى البخيل ، والذي يغشى عليه هو الذي أخذته الغشوة فغابت حواسه وأخذت عيناه تدوران ، والسلق بالفتح فالسكون الضرب والطعن."
ومعنى الآيتين: إن الله ليعلم الذين يثبطون منكم الناس ويصرفونهم عن القتال وهم المنافقون ويعلم الذين يقولون من المنافقين لإخوانهم من المنافقين أو ضعفة الإيمان تعالوا وأقبلوا ولا يحضرون الحرب إلا قليلا بخلاء عليكم بنفوسهم.
فإذا جاء الخوف بظهور مخائل القتال تراهم ينظرون إليك من الخوف نظرا لا إرادة لهم فيه ولا استقرار فيه لأعينهم تدور أعينهم كالمغشي عليه من الموت فإذا ذهب الخوف ضربوكم وطعنوكم بألسنة حداد قاطعة حال كونهم بخلاء على الخير الذي نلتموه.
أولئك لم يؤمنوا ولم يستقر الإيمان في قلوبهم وإن أظهروه في ألسنتهم فأبطل الله أعمالهم وأحبطها وكان ذلك على الله يسيرا.
قوله تعالى:"يحسبون الأحزاب لم يذهبوا"إلى آخر الآية ، أي يظنون من شدة الخوف أن الأحزاب - وهم جنود المشركين المتحزبون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - لم يذهبوا بعد"و إن يأت الأحزاب"مرة ثانية بعد ذهابهم وتركهم المدينة"يودوا"ويحبوا"أنهم بادون"أي خارجون من المدينة إلى البدو"في الأعراب يسألون عن أنبائكم"وأخباركم"و لو كانوا فيكم"ولم يخرجوا منها بادين"ما قاتلوا إلا قليلا"أي ولا كثير فائدة في لزومهم إياكم وكونهم معكم فإنهم لن يقاتلوا إلا قليلا لا يعتد به.
قوله تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"الأسوة القدوة وهي الاقتداء والاتباع ، وقوله:"في رسول الله"أي في مورد رسول الله والأسوة التي في مورده هي تأسيهم به واتباعهم له والتعبير بقوله:"لقد كان لكم"الدال على الاستقرار والاستمرار في الماضي إشارة إلى كونه تكليفا ثابتا مستمرا.
والمعنى: ومن حكم رسالة الرسول وإيمانكم به أن تتأسوا به في قوله وفعله وأنتم ترون ما يقاسيه في جنب الله وحضوره في القتال وجهاده في الله حق جهاده.
وفي الكشاف: ، فإن قلت: فما حقيقة قوله:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"؟ وقرىء أسوة بالضم.
قلت: فيه وجهان: أحدهما أنه في نفسه أسوة حسنة أي قدوة وهو المؤتسى أي المقتدى به كما تقول: في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد.
والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع وهي المواساة بنفسه انتهى وأول الوجهين قريب مما قدمناه.