فهرس الكتاب

الصفحة 3393 من 4314

و قوله:"لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا"بدل من ضمير الخطاب في"لكم"للدلالة على أن التأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خصلة جميلة زاكية لا يتصف بها كل من تسمى بالإيمان ، وإنما يتصف بها جمع ممن تلبس بحقيقة الإيمان فكان يرجو الله واليوم الآخر أي تعلق قلبه بالله فآمن به وتعلق قلبه باليوم الآخر فعمل صالحا ومع ذلك ذكر الله كثيرا فكان لا يغفل عن ربه فتأسى بالنبي في أفعاله وأعماله.

وقيل: قوله:"لمن كان"إلخ ، صلة لقوله:"حسنة"أو صفة له للمنع عن الإبدال من ضمير الخطاب ومآل الوجوه الثلاثة بحسب المعنى واحد.

قوله تعالى:"و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله"، وصف لحال المؤمنين لما شاهدوا الأحزاب ونزول جيوشهم حول المدينة فكان ذلك سبب رشدهم وتبصرهم في الإيمان وتصديقهم لله ولرسوله على خلاف ما ظهر من المنافقين والذين في قلوبهم مرض من الارتياب وسيىء القول ، وبذلك يظهر أن المراد بالمؤمنين المخلصون لإيمانهم بالله ورسوله.

وقوله:"قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله"الإشارة بهذا إلى ما شاهدوه مجردا عن سائر الخصوصيات ، كما في قوله:"فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي"،: الأنعام: 78.

والوعد الذي أشاروا إليه قيل: هو ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وعدهم أن الأحزاب سيتظاهرون عليهم فلما شاهدوهم تبين لهم أن ذلك هو الذي وعدهم.

وقيل: إنهم كانوا قد سمعوا قوله تعالى في سورة البقرة:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب": البقرة: 241 فتحققوا أنهم سيصيبهم ما أصاب الأنبياء والمؤمنين بهم من الشدة والمحنة التي تزلزل القلوب وتدهش النفوس فلما رأوا الأحزاب أيقنوا أنه من الوعد الموعود وأن الله سينصرهم على عدوهم.

والحق هو الجمع بين الوجهين نظرا إلى جمعهم بين الله ورسوله في الوعد إذ قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله.

وقوله:"و صدق الله ورسوله"شهادة منهم على صدق الوعد ، وقوله:"و ما زادهم إلا إيمانا وتسليما"أي إيمانا بالله ورسوله وتسليما لأمر الله بنصرة دينه والجهاد في سبيله.

قوله تعالى:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"، قال الراغب: النحب النذر المحكوم بوجوبه ، يقال: قضى فلان نحبه أي وفى بنذره قال تعالى:"فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر"، ويعبر بذلك عمن مات كقولهم: قضى أجله واستوفى أكله وقضى من الدنيا حاجته.

انتهى.

وقوله:"صدقوا ما عاهدوا الله عليه"أي حققوا صدقهم فيما عاهدوه أن لا يفروا إذا لاقوا العدو ، ويشهد على أن المراد بالعهد ذلك أن في الآية محاذاة لقوله السابق في المنافقين والضعفاء الإيمان:"و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار"كما أن في الآية السابقة محاذاة لما ذكر سابقا من ارتياب القوم وعدم تسليمهم لأمر الله.

وقوله:"فمنهم من قضى نحبه"إلخ ، أي منهم من قضى أجله بموت أو قتل في سبيل الله ومنهم من ينتظر ذلك وما بدلوا شيئا مما كانوا عليه من قول أو عهد تبديلا.

قوله تعالى:"ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما"اللام للغاية وما تتضمنه الآية غاية لجميع من تقدم ذكرهم من المنافقين والمؤمنين.

فقوله:"ليجزي الله الصادقين بصدقهم"المراد بالصادقين المؤمنين وقد ذكر صدقهم قبل ، والباء في"بصدقهم"للسببية أي ليجزي المؤمنين الذين صدقوا عهدهم بسبب صدقهم.

وقوله:"و يعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم"أي وليعذب المنافقين إن شاء تعذيبهم وذلك فيما لو لم يتوبوا أو يتوب عليهم إن تابوا إن الله كان غفورا رحيما.

وفي الآية من حيث كونها بيان غاية نكتة لطيفة هي أن المعاصي ربما كانت مقدمة للسعادة والمغفرة لا بما أنها معاص بل لكونها سائقة للنفس من الظلمة والشقوة إلى حيث تتوحش النفس وتتنبه فتتوب إلى ربها وتنتزع عن معاصيها وذنوبها فيتوب الله عليها في الغاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت