و مما ظهر فيه أيضا من آيات النبوة ما رواه أبو عبد الله الحافظ بالإسناد عن عبد الواحد بن أيمن المخزومي قال حدثني ، أيمن المخزومي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيه كدية وهي الجبل فقلنا: يا رسول الله إن كدية عرضت فيه فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رشوا عليها ماء ثم قام وأتاها وبطنه معصوب الحجر من الجوع فأخذ المعول أو المسحاة فسمى ثلاثا ثم ضرب فعادت كثيبا أهيل فقلت: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل ففعل فقلت للمرأة هل عندك من شيء؟ فقالت: عندي صاع من شعير وعناق فطحنت الشعير فعجنته وذبحت العناق وسلختها وخليت بين المرأة وبين ذلك. ثم أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلست عنده ساعة ثم قلت: ائذن لي يا رسول الله ففعل فأتيت المرأة فإذا العجين واللحم قد أمكنا فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: إن عندنا طعيما لنا فقم يا رسول الله أنت ورجلان من أصحابك فقال: وكم هو؟ فقلت: صاع من شعير وعناق فقال للمسلمين جميعا: قوموا إلى جابر فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله فقلت: جاء بالخلق إلى صاع شعير وعناق. فدخلت على المرأة وقلت قد افتضحت جاءك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلق أجمعين فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم. فقالت: الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا فكشفت عني غما شديدا. فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: خذي ودعيني من اللحم فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يثرد ويفرق اللحم ثم يحم هذا ويحم هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي قومنا أجمع أورده البخاري في الصحيح. قالوا: ولما فرغ رسول الله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة ، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد ، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هناك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فرفعوا في الآطام وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة وكان قد وادع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على قومه وعاهده على ذلك فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه. فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه يا كعب افتح لي فقال: ويحك يا حيي إنك رجل مشئوم ، إني قد عاهدت محمدا ولست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي حتى أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: إن أغلقت دوني إلا على جشيشة تكره أن آكل منها معك. فأحفظ الرجل ففتح له فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على سادتها وقادتها قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدا ومن معه. فقال كعب: جئتني والله بذل الدهر بجهام قد أهراق ماءه يرعد ويبرق وليس فيه شيء فدعني ومحمدا وما أنا عليه فلم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب حتى سمح له على أن أعطاه عهدا وميثاقا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب عهده وبرىء مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فلما انتهى الخبر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير فقال: انطلقوا حتى تنظروا أ حق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لنا لحنا نعرفه ولا تفتوا أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس. وخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث مما بلغهم عنهم. قالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد ، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه ، وقال سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا