و يتبين بذلك أن ليس لزوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث هي زوجية كرامة عند الله سبحانه وإنما الكرامة لزوجيته المقارنة للإحسان والتقوى ولذلك لما ذكر ثانيا علو منزلتهن قيده أيضا بالتقوى فقال:"لستن كأحد من النساء إن اتقيتن"وهذا كقوله في النبي وأصحابه:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا - إلى أن قال - وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما"حيث مدحهم عامة بظاهر أعمالهم أولا ثم قيد وعدهم الأجر العظيم بالإيمان والعمل الصالح.
وبالجملة فإطلاق قوله:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات: 10 على حاله غير منتقض بكرامة أخرى بسبب أو نسب أو غير ذلك.
فقوله:"يا أيها النبي قل لأزواجك"أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبلغ الآيتين أزواجه ولازمه أن يطلقهن ويمتعهن إن اخترن الشق الأول ويبقيهن على زوجيته إن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
وقوله:"إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها"إرادة الحياة الدنيا وزينتها كناية بقرينة المقابلة عن اختيارها وتعلق القلب بتمتعاتها والإقبال عليها والإعراض عن الآخرة.
وقوله:"فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا"قال في الكشاف: ، أصل تعال أن يقوله من في المكان المرتفع لمن في المكان المستوطأ ثم كثرت حتى استوت في استعماله الأمكنة ، ومعنى تعالين أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين ولم يرد نهوضهن بأنفسهن كما تقول: أقبل يخاصمني وذهب يكلمني وقام يهددني.
انتهى.
والتمتيع إعطاؤهن عند التطليق مالا يتمتعن به والتسريح هو التطليق والسراح الجميل هو الطلاق من غير خصومة ومشاجرة بين الزوجين.
وفي الآية أبحاث فقهية أوردها المفسرون والحق أن ما تتضمنه من الأحكام الشخصية خاصة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا دليل من جهة لفظها على شموله لغيره وتفصيل القول في الفقه.
وقوله:"و إن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة"فقد تقدم أن المقابلة بين هذه الجملة وبين قوله:"إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها"إلخ ، تقيد كلا منهما بخلاف الأخرى وعدمها ، فمعنى الجملة: وإن كنتن تردن وتخترن طاعة الله ورسوله وسعادة الدار الآخرة مع الصبر على ضيق العيش والحرمان من زينة الحياة الدنيا وهي مع ذلك كناية عن البقاء في زوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصبر على ضيق العيش وإلا لم يصح اشتراك الإحسان في الأجر الموعود وهو ظاهر.
فالمعنى: وإن كنتن تردن وتخترن البقاء على زوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصبر على ضيق العيش فإن.
الله هيأ لكن أجرا عظيما بشرط أن تكن محسنات في أعمالكن مضافا إلى إرادتكن الله ورسوله والدار الآخرة فإن لم تكن محسنات لم يكن لكن إلا خسران الدنيا والآخرة جميعا.
قوله تعالى:"يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين"إلخ ، عدل عن مخاطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهن إلى مخاطبتهن أنفسهن لتسجيل ما لهن من التكليف وزيادة التوكيد ، والآية والتي بعدها تقرير وتوضيح بنحو لما يستفاد من قوله:"فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما"إثباتا ونفيا.
فقوله:"من يأت منكن بفاحشة مبينة"الفاحشة الفعلة البالغة في الشناعة والقبح وهي الكبيرة كإيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والافتراء والغيبة وغير ذلك ، والمبينة هي الظاهرة.
ووقوله:"يضاعف لها العذاب ضعفين"أي حال كونه ضعفين والضعفان المثلان ويؤيد هذا المعنى قوله في جانب الثواب بعد:"نؤتها أجرها مرتين"فلا يعبأ بما قيل إن المراد بمضاعفة العذاب ضعفين تعذيبهم بثلاثة أمثاله بتقريب أن مضاعفة العذاب زيادته وإذا زيد على العذاب ضعفاه صار المجموع ثلاثة أمثاله.
وختم الآية بقوله:"و كان ذلك على الله يسيرا"للإشارة إلى أنه لا مانع من ذلك من كرامة الزوجية ونحوها إذ لا كرامة إلا للتقوى وزوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما تؤثر الأثر الجميل إذا قارن التقوى وأما مع المعصية فلا تزيد إلا بعدا ووبالا.