قوله تعالى:"و من يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين"إلخ ، القنوت الخضوع ، وقيل: الطاعة وقيل: لزوم الطاعة مع الخضوع ، والإعتاد التهيئة ، والرزق الكريم مصداقه الجنة.
والمعنى: ومن يخضع منكن لله ورسوله أو لزم طاعة الله ورسوله مع الخضوع ويعمل عملا صالحا نعطها أجرها مرتين أي ضعفين وهيأنا لها رزقا كريما وهي الجنة.
والالتفات من الغيبة إلى التكلم بالغير في قوله:"نؤتها"و"أعتدنا"للإيذان بالقرب والكرامة ، خلاف البعد والخزي المفهوم من قوله:"يضاعف لها العذاب ضعفين".
قوله تعالى:"يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"إلخ ، الآية تنفي مساواتهن لسائر النساء إن اتقين وترفع منزلتهن على غيرهن ثم تذكر أشياء من النهي والأمر متفرعة على كونهن لسن كسائر النساء كما يدل عليه قوله: فلا تخضعن بالقول وقرن ولا تبرجن إلخ ، وهي خصال مشتركة بين نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسائر النساء.
فتصدير الكلام بقوله:"لستن كأحد من النساء إن اتقيتن"ثم تفريع هذه التكاليف المشتركة عليه ، يفيد تأكد هذه التكاليف عليهن كأنه قيل: لستن كغيركن فيجب عليكن أن تبالغن في امتثال هذه التكاليف وتحتطن في دين الله أكثر من سائر النساء.
وتؤيد بل تدل على تأكد تكاليفهن مضاعفة جزائهن خيرا وشرا كما دلت عليها الآية السابقة فإن مضاعفة الجزاء لا تنفك عن تأكد التكليف.
وقوله:"فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"بعد ما بين علو منزلتهن ورفعة قدرهن لمكانهن من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرط في ذلك التقوى فبين أن فضيلتهن بالتقوى لا بالاتصال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهاهن عن الخضوع في القول وهو ترقيق الكلام وتليينه مع الرجال بحيث يدعو إلى الريبة وتثير الشهوة فيطمع الذي في قلبه مرض وهو فقدان قوة الإيمان التي تردعه عن الميل إلى الفحشاء.
وقوله:"و قلن قولا معروفا"أي كلاما معمولا مستقيما يعرفه الشرع والعرف الإسلامي وهو القول الذي لا يشير بلحنه إلى أزيد من مدلوله معرى عن الإيماء إلى فساد وريبة.
قوله تعالى:"و قرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى - إلى قوله - وأطعن الله ورسوله""قرن"من قر يقر إذا ثبت وأصله اقررن حذفت إحدى الرائين أو من قار يقار إذا اجتمع كناية عن ثباتهن في بيوتهن ولزومهن لها ، والتبرج الظهور للناس كظهور البروج لناظريها.
والجاهلية الأولى الجاهلية قبل البعثة فالمراد الجاهلية القديمة ، وقول بعضهم: إن المراد به زمان ما بين آدم ونوح (عليهما السلام) ثمان مائة سنة ، وقول آخرين إنها ما بين إدريس ونوح ، وقول آخرين زمان داود وسليمان وقول آخرين إنه زمان ولادة إبراهيم ، وقول آخرين إنه زمان الفترة بين عيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أقوال لا دليل يدل عليها.
وقوله:"و أقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله"أمر بامتثال الأوامر الدينية وقد أفرد الصلاة والزكاة بالذكر من بينها لكونهما ركنين في العبادات والمعاملات ثم جمع الجميع في قوله:"و أطعن الله ورسوله".
وطاعة الله هي امتثال تكاليفه الشرعية وطاعة رسوله فيما يأمر به وينهى بالولاية المجعولة له من عند الله كما قال:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم".
قوله تعالى:"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"كلمة"إنما"تدل على حصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير وكلمة أهل البيت سواء كان لمجرد الاختصاص أو مدحا أو نداء يدل على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير بالمخاطبين بقوله:"عنكم"، ففي الآية في الحقيقة قصران قصر الإرادة في إذهاب الرجس والتطهير وقصر إذهاب الرجس والتطهير في أهل البيت.