و أوجه ما قيل في إيذائهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه إشارة إلى قصة زيد وزينب ، وإن يكن كذلك فمن إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما في كثير من روايات القصة من سردها على نحو لا يناسب ساحة قدسه.
وقوله:"و كان عند الله وجيها"أي ذا جاه ومنزلة والجملة مضافا إلى اشتمالها على التبرئة إجمالا تعلل تبرئته تعالى له وللآية وما بعدها نوع اتصال بالآيات الناهية عن إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا"، السديد من السداد وهو الإصابة والرشاد فالسديد من القول ما يجتمع فيه مطابقة الواقع وعدم كونه لغوا أو ذا فائدة غير مشروعة كالنميمة وغير ذلك فعلى المؤمن أن يختبر صدق ما يتكلم به وأن لا يكون لغوا أو يفسد به إصلاح.
قوله تعالى:"يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما"رتب على ملازمة القول السديد إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب وذلك أن النفس إذا لازمت القول السديد انقطعت عن كذب القول ولغو الحديث والكلام الذي يترتب عليه فساد ، وبرسوخ هذه الصفة فيها تنقطع طبعا عن الفحشاء والمنكر واللغو في الفعل وعند ذلك يصلح أعمال الإنسان فيندم بالطبع على ما ضيعه من عمره في موبقات الذنوب إن كان قد ابتلي بشيء من ذلك وكفى بالندم توبة.
ويحفظه الله فيما بقي من عمره عن اقتحام المهلكات وإن رام شيئا من صغائر الذنوب غفر الله له فقد قال الله تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم": النساء: 31 ، فملازمة القول السديد تسوق الإنسان إلى صلاح الأعمال ومغفرة الذنوب بإذن الله.
وقوله:"و من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما"وعد جميل على الإتيان بجميع الأعمال الصالحة والاجتناب عن جميع المناهي بترتيب الفوز العظيم على طاعة الله ورسوله.
وبذلك تختتم السورة في معناها في الحقيقة لأن طاعة الله ورسوله هي الكلمة الجامعة بين جميع الأحكام السابقة ، من واجبات ومحرمات والآيتان التاليتان كالمتمم لمعنى هذه الآية.
قوله تعالى:"إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا - إلى قوله - غفورا رحيما"الأمانة - أيا ما كانت - شيء يودع عند الغير ليحتفظ عليه ثم يرده إلى من أودعه ، فهذه الأمانة المذكورة في الآية شيء ائتمن الله الإنسان عليه ليحفظ على سلامته واستقامته ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه.
ويستفاد من قوله:"ليعذب الله المنافقين والمنافقات"إلخ ، أنه أمر يترتب على حمله النفاق والشرك والإيمان ، فينقسم حاملوه باختلاف كيفية حملهم إلى منافق ومشرك ومؤمن.
فهو لا محالة أمر مرتبط بالدين الحق الذي يحصل بالتلبس به وعدم التلبس به النفاق والشرك والإيمان.
فهل هو الاعتقاد الحق والشهادة على توحده تعالى أو مجموع الاعتقاد والعمل بمعنى أخذ الدين الحق بتفاصيله مع الغض عن العمل به ، أو التلبس بالعمل به أو الكمال الحاصل للإنسان من جهة التلبس بواحد من هذه الأمور.
وليست هي الأول أعني التوحيد فإن السماوات والأرض وغيرهما من شيء توحده تعالى وتسبح بحمده ، وقد قال تعالى:"و إن من شيء إلا يسبح بحمده": إسراء: 44 ، والآية تصرح بإبائها عنه.
وليست هي الثاني أعني الدين الحق بتفاصيله فإن الآية تصرح بحمل الإنسان كائنا من كان من مؤمن وغيره له ومن البين أن أكثر من لا يؤمن لا يحمله ولا علم له به ، وبهذا يظهر أنها ليست بالثالث وهو التلبس بالعمل بالدين الحق تفصيلا.
وليست هي الكمال الحاصل له بالتلبس بالتوحيد فإن السماوات والأرض وغيرهما ناطقة بالتوحيد فعلا متلبسة به.
وليست هي الكمال الحاصل من أخذ دين الحق والعلم به إذ لا يترتب على نفس الاعتقاد الحق والعلم بالتكاليف الدينية نفاق ولا شرك ولا إيمان ولا يستعقب سعادة ولا شقاء وإنما يترتب الأثر على الالتزام بالاعتقاد الحق والتلبس بالعمل.
فبقي أنها الكمال الحاصل له من جهة التلبس بالاعتقاد والعمل الصالح وسلوك سبيل الكمال بالارتقاء من حضيض المادة إلى أوج الإخلاص الذي هو أن يخلصه الله لنفسه فلا يشاركه فيه غيره فيتولى هو سبحانه تدبير أمره وهو الولاية الإلهية.