فالمراد بالأمانة الولاية الإلهية وبعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة إليها والمراد بحملها والإباء عنه وجود استعدادها وصلاحية التلبس بها وعدمه ، وهذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية فالسماوات والأرض والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقدة لاستعداد حصولها فيها وهو المراد بإبائهن عن حملها وإشفاقهن منها.
لكن الإنسان الظلوم الجهول لم يأب ولم يشفق من ثقلها وعظم خطرها فحملها على ما بها من الثقل وعظم الخطر فتعقب ذلك أن انقسم الإنسان من جهة حفظ الأمانة وعدمه بالخيانة إلى منافق ومشرك ومؤمن بخلاف السماوات والأرض والجبال فما منها إلا مؤمن مطيع.
فإن قلت: ما بال الحكيم العليم حمل على هذا المخلوق الظلوم الجهول حملا لا يتحمله لثقله وعظم خطره السماوات والأرض والجبال على عظمتها وشدتها وقوتها وهو يعلم أنه أضعف من أن يطيق حمله وإنما حمله على قبولها ظلمه وجهله وأجرأه عليه غروره وغفلته عن عواقب الأمور فما تحميله الأمانة باستدعائه لها ظلما وجهلا إلا كتقليد مجنون ولاية عامة يأبى قبولها العقلاء ويشفقون منها يستدعيها المجنون لفساد عقله وعدم استقامة فكره.
قلت: الظلم والجهل في الإنسان وإن كانا بوجه ملاك اللوم والعتاب فهما بعينهما مصحح حمله الأمانة والولاية الإلهية فإن الظلم والجهل إنما يتصف بهما من كان من شأنه الاتصاف بالعدل والعلم فالجبال مثلا لا تتصف بالظلم والجهل فلا يقال: جبل ظالم أو جاهل لعدم صحة اتصافه بالعدل والعلم وكذلك السماوات والأرض لا يحمل عليها الظلم والجهل لعدم صحة اتصافها بالعدل والعلم بخلاف الإنسان.
والأمانة المذكورة في الآية وهي الولاية الإلهية وكمال صفة العبودية إنما تتحصل بالعلم بالله والعمل الصالح الذي هو العدل وإنما يتصف بهذين الوصفين أعني العلم والعدل الموضوع القابل للجهل والظلم فكون الإنسان في حد نفسه وبحسب طبعه ظلوما جهولا هو المصحح لحمل الأمانة الإلهية فافهم ذلك.
فمعنى الآيتين يناظر بوجه معنى قوله تعالى:"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون": التين: 6.
فقوله تعالى:"إنا عرضنا الأمانة"أي الولاية الإلهية والاستكمال بحقائق الدين الحق علما وعملا وعرضها هو اعتبارها مقيسة إلى هذه الأشياء.
وقوله:"على السماوات والأرض والجبال"أي هذه المخلوقات العظيمة التي خلقها أعظم من خلق الإنسان كما قال:"لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس": المؤمن: 57 ، وقوله:"فأبين أن يحملنها وأشفقن منها"إباؤها عن حملها وإشفاقها منها عدم اشتمالها على صلاحية التلبس وتجافيها عن قبولها وفي التعبير بالحمل إيماء إلى أنها ثقيلة ثقلا لا يحتملها السماوات والأرض والجبال.
وقوله:"و حملها الإنسان"أي اشتمل على صلاحيتها والتهيؤ للتلبس بها على ضعفه وصغر حجمه"إنه كان ظلوما جهولا"أي ظالما لنفسه جاهلا بما تعقبه هذه الأمانة لو خانها من وخيم العاقبة والهلاك الدائم.
وبمعنى أدق لكون الإنسان خاليا بحسب نفسه عن العدل والعلم قابلا للتلبس بما يفاض عليه من ذلك والارتقاء من حضيض الظلم والجهل إلى أوج العدل والعلم.
والظلوم والجهول وصفان من الظلم والجهل معناهما من كان من شأنه الظلم والجهل نظير قولنا: فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنها ذلك كما قاله الرازي أو معناهما المبالغة في الظلم والجهل كما ذكر غيره ، والمعنى مستقيم كيفما كانا.
وقوله:"ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات"اللام للغاية أي كانت عاقبة هذا الحمل أن يعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات وذلك أن الخائن للأمانة يتظاهر في الأغلب بالصلاح والأمانة وهو النفاق وقليلا ما يتظاهر بالخيانة لها ولعل اعتبار هذا المعنى هو الموجب لتقديم المنافقين والمنافقات في الآية على المشركين والمشركات.