فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 4314

فهذه الدعوة العظيمة وهي تصاحب الاجتماعات الإنسانية من أقدم عهودها ، في تاريخها المضبوط وقبل ضبط التاريخ لا بد أن تكون ذات أثر عميق في حياة الإنسان الاجتماعية من حيث الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة الكريمة ، فللدعوة الدينية آثار في النفوس وإن لم تجبها ولم تؤمن بها.

بل حقيقة الأمر: أن ما نشاهد في الاجتماعات الحاضرة من الملل والأمم الحية من آثار النبوة والدين ، وقد ملكوها بالوراثة أو التقليد ، فإن الدين منذ ظهر بين هذا النوع حملته وانتحلت به أمم وجماعات هامة ، وهو الداعي الوحيد الذي يدعو إلى الإيمان ، والأخلاق الفاضلة والعدل والصلاح ، فالموجود من الخصائل الحميدة بين الناس اليوم وإن كان قليلا بقايا من آثاره ونتائجه ، فإن التدابير العامة في الاجتماعات المتكونة ثلاثة لا رابع لها: أحدها تدبير الاستبداد وهو يدعو إلى الرقية في جميع الشئون الإنسانية ، وثانيها القوانين المدنية وهي تجري وتحكم في الأفعال فحسب ، وتدعو إلى الحرية فيما وراء ذلك من الأخلاق وغيرها ، وثالثها الدين وهو يحكم في الاعتقادات والأخلاق والأفعال جميعا ويدعو إلى إصلاح الجميع.

فلو كان في الدنيا خير مرجو أو سعادة لوجب أن ينسب إلى الدين وتربيته.

ويشهد بذلك ما نشاهده من أمر الأمم التي بنت اجتماعها على كمال الطبيعة ، وأهملت أمر الدين والأخلاق ، فإنهم لم يلبثوا دون أن افتقدوا الصلاح والرحمة والمحبة وصفاء القلب وسائر الفضائل الخلقية والفطرية مع وجود أصل الفطرة فيهم ، ولو كانت أصل الفطرة كافية ، ولم تكن هذه الصفات بين البشر من البقايا الموروثة من الدين لما افتقدوا شيئا من ذلك.

على أن التاريخ أصدق شاهد على الاقتباسات التي عملتها الأمم المسيحية بعد الحروب الصليبية ، فاقتبسوا مهمات النكات من القوانين العامة الإسلامية فتقلدوها وتقدموا بها ، والحال أن المسلمين اتخذوها وراءهم ظهريا ، فتأخر هؤلاء وتقدم أولئك ، والكلام طويل الذيل.

وبالجملة الأصلان المذكوران ، أعني السراية والوراثة ، وهما التقليد الغريزي في الإنسان والتحفظ على السيرة المألوفة يوجبان نفوذ الروح الديني في الاجتماعات كما يوجبان في غيره ذلك وهو تأثير فعلي.

فإن قلت: فعلى هذه فما فائدة الفطرة فإنها لا تغني طائلا وإنما أمر السعادة بيد النبوة؟ وما فائدة بناء التشريع على أساس الفطرة على ما تدعيه النبوة؟.

قلت: ما قدمناه في بيان ما للفطرة من الارتباط بسعادة الإنسان وكماله يكفي في حل هذه الشبهة ، فإن السعادة والكمال الذي تجلبه النبوة إلى الإنسان ليس أمرا خارجا عن هذا النوع ، ولا غريبا عن الفطرة ، فإن الفطرة هي التي تهتدي إليه ، لكن هذا الاهتداء لا يتم لها بالفعل وحدها من غير معين يعينها على ذلك ، وهذا المعين الذي يعينها على ذلك وهو حقيقة النبوة ليس أيضا أمرا خارجا عن الإنسانية وكمالها ، منضما إلى الإنسان كالحجر الموضوع في جنب الإنسان مثلا ، وإلا كان ما يعود منه إلى الإنسان أمرا غير كماله وسعادته كالثقل الذي يضيفه الحجر إلى ثقل الإنسان في وزنه ، بل هو أيضا كمال فطري للإنسان مذخور في هذا النوع ، وهو شعور خاص وإدراك مخصوص مكمون في حقيقته لا يهتدي إليه بالفعل إلا آحاد من النوع أخذتهم العناية الإلهية ، كما أن للبالغ من الإنسان شعورا خاصا بلذة النكاح ، لا تهتدي إليه بالفعل بقية الأفراد غير البالغين بالفعل ، وإن كان الجميع من البالغ وغير البالغ مشتركين في الفطرة الإنسانية ، والشعور شعور مرتبط بالفطرة.

وبالجملة لا حقيقة النبوة أمر زائد على إنسانية الإنسان الذي يسمى نبيا ، وخارج عن فطرته ، ولا السعادة التي تهتدي سائر الأمة إليها أمر خارج عن إنسانيتهم وفطرتهم ، غريب عما يستأنسه وجودهم الإنساني ، وإلا لم تكن كمالا وسعادة بالنسبة إليهم.

فإن قلت: فيعود الإشكال على هذا التقرير إلى النبوة ، فإن الفطرة على هذا كافية وحدها والنبوة غير خارجة عن الفطرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت