فإن المتحصل من هذا الكلام ، هو أن النوع الإنساني المتمدن بفطرته والمختلف في اجتماعه يتميز من بين أفراده آحاد من الصلحاء فطرتهم مستقيمة ، وعقولهم سليمة عن الأوهام والتهوسات ورذائل الصفات ، فيهتدون باستقامة فطرتهم ، وسلامة عقولهم إلى ما فيه صلاح الاجتماع ، وسعادة الإنسان ، فيضعون قوانين فيها مصلحة الناس ، وعمران الدنيا والآخرة ، فإن النبي هو الإنسان الصالح الذي له نبوغ اجتماعي.
قلت: كلا! وإنما هو تفسير لا ينطبق على حقيقة النبوة ، ولا ما تستتبعه.
أما أولا: فلأن ذلك فرض افترضه بعض علماء الاجتماع ممن لا قدم له في البحث الديني ، والفحص عن حقائق المبدإ والمعاد.
فذكر أن النبوة نبوغ خاص اجتماعي استتبعته استقامة الفطرة وسلامة العقل ، وهذا النبوغ يدعو إلى الفكر في حال الاجتماع ، وما يصلح به هذا الاجتماع المختل ، وما يسعد به الإنسان الاجتماعي.
فهذا النابغة الاجتماعي هو النبي ، والفكر الصالح المترشح من قواه الفكرية هو الوحي ، والقوانين التي يجعلها لصلاح الاجتماع هو الدين ، وروحه الطاهر الذي يفيض هذه الأفكار إلى قواه الفكرية ولا يخون العالم الإنساني باتباع الهوى هو الروح الأمين وهو جبرائيل ، والموحي الحقيقي هو الله سبحانه ، والكتاب الذي يتضمن أفكاره العالية الطاهرة هو الكتاب السماوي ، والملائكة هي القوى الطبيعية أو الجهات الداعية إلى الخير ، والشيطان هي النفس الأمارة بالسوء أو القوى أو الجهات الداعية إلى الشر والفساد ، وعلى هذا القياس.
وهذا فرض فاسد ، وقد مر في البحث عن الإعجاز ، إن النبوة بهذا المعنى لأن تسمى لعبة سياسية أولى بها من أن تسمى نبوة إلهية.
وقد تقدم أن هذا الفكر الذي يسمي هؤلاء الباحثون نبوغه الخاص نبوة من خواص العقل العملي ، الذي يميز بين خير الأفعال وشرها بالمصلحة والمفسدة وهو أمر مشترك بين العقلاء من أفراد الإنسان ومن هدايا الفطرة المشتركة ، وتقدم أيضا أن هذا العقل بعينه هو الداعي إلى الاختلاف ، وإذا كان هذا شأنه لم يقدر من حيث هو كذلك على رفع الاختلاف ، واحتاج فيه إلى متمم يتمم أمره ، وقد عرفت أنه يجب أن يكون هذا المتمم نوعا خاصا من الشعور يختص به بحسب الفعلية بعض الآحاد من الإنسان وتهتدي به الفطرة إلى سعادة الإنسان الحقيقية في معاشه ومعاده.
ومن هنا يظهر أن هذا الشعور من غير سنخ الشعور الفكري ، بمعنى أن ما يجده الإنسان من النتائج الفكرية من طريق مقدماتها العقلية غير ما يجده من طريق الشعور النبوي ، والطريق غير الطريق.
ولا يشك الباحثون في خواص النفس في أن في الإنسان شعورا نفسيا باطنيا ، ربما يظهر في بعض الآحاد من أفراده ، يفتح له بابا إلى عالم وراء هذا العالم ، ويعطيه عجائب من المعارف والمعلومات ، وراء ما يناله العقل والفكر ، صرح به جميع علماء النفس من قدمائنا وجمع من علماء النفس من أوروبا مثل جمز الإنجليزي وغيره.
فقد تحصل أن باب الوحي النبوي غير باب الفكر العقلي ، وأن النبوة وكذا الشريعة والدين والكتاب والملك والشيطان لا ينطبق عليها ما اختلقوه من المعاني.
وأما ثانيا: فلأن المأثور من كلام هؤلاء الأنبياء المدعين لمقام النبوة والوحي مثل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح" (عليهما السلام) "وغيرهم - وبعضهم يصدق بعضا - وكذا الموجود من كتبهم كالقرآن ، صريح في خلاف هذا الذي فسروا به النبوة والوحي ونزول الكتاب والملك وغير ذلك من الحقائق.
فإن صريح الكتاب والسنة وما نقل من الأنبياء العظام (عليهم السلام) أن هذه الحقائق وآثارها أمور خارجة عن سنخ الطبيعة ، ونشأة المادة ، وحكم الحس ، بحيث لا يعد إرجاعها إلى الطبيعة وحكمها إلا تأويلا بما لا يقبله طبع الكلام ، ولا يرتضيه ذوق التخاطب.
وقد تبين بما ذكرنا أن الأمر الذي يرفع فساد الاختلاف عن الاجتماع الإنساني وهو الشعور الباطني الذي يدرك صلاح الاجتماع أعني القوة التي يمتاز بها النبي من غيره أمر وراء الشعور الفكري الذي يشترك فيه جميع أفراد الإنسان.