فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 4314

فإن قلت: فعلى هذا يكون هذا الشعور الباطني أمرا خارقا للعادة فإنه أمر لا يعرفه أفراد الإنسان من أنفسهم وإنما هو أمر يدعيه الشاذ النادر منهم ، فكيف يمكن أن يسوق الجميع إلى إصلاح شأنهم ويهدي النوع إلى سعادته الحقيقية؟! وقد مر سابقا أن كل ما فرض هاديا للإنسان إلى سعادته وكماله النوعي وجب أن يهديه بالارتباط والاتحاد مع فطرته ، لا بنحو الانضمام كانضمام الحجر الموضوع في جنب الإنسان إليه.

قلت: كون هذا الأمر خارقا للعادة مما لا ريب فيه ، وكذا كونه أمرا من قبيل الإدراكات الباطنية ونحو شعور مستور عن الحواس الظاهرية مما لا ريب فيه ، لكن العقل لا يدفع الأمر الخارق للعادة ولا الأمر المستور عن الحواس الظاهرة وإنما يدفع المحال ، وللعقل طريق إلى تصديق الأمور الخارقة للعادة المستورة عن الحواس الظاهرة فإن له أن يستدل على الشيء من طريق علله وهو الاستدلال اللمي ، أو من لوازمه أو آثاره وهو الاستدلال الإني فيثبت بذلك وجوده ، والنبوة بالمعنى الذي ذكرنا يمكن أن يستدل عليها بأحد طريقين: فتارة من طريق آثاره وتبعاته وهو اشتمال الدين الذي يأتي به النبي على سعادة الإنسان في دنياه وآخرته ، وتارة من جهة اللوازم وهو أن النبوة لما كانت أمرا خارقا للعادة فدعواها ممن يدعيها هي دعوى أن الذي وراء الطبيعة وهو إلهها الذي يهديها إلى سعادتها ويهدي النوع الإنساني منها إلى كماله وسعادته يتصرف في بعض أفراد النوع تصرفا خارقا للعادة وهو التصرف بالوحي ، ولو كان هذا التصرف الخارق للعادة جائزا جاز غيره من خوارق العادة ، لأن حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد ، فلو كانت دعوى النبوة من النبي حقا وكان النبي واجدا لها لكان من الجائز أن يأتي بأمر آخر خارق للعادة مرتبطة بنبوته نحو ارتباط يوجب تصديق العقل الشاك في نبوة هذا المدعي للنبوة ، وهذا الأمر الخارق للعادة هي الآية المعجزة وقد تكلمنا في الإعجاز في تفسير قوله تعالى:"و إن كنتم في شك مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله الآية:"البقرة - 23.

فإن قلت: هب أن هذا الاختلاف ارتفع بهذا الشعور الباطني المسمى بوحي النبوة وأثبتها النبي بالإعجاز ، وكان على الناس أن يأخذوا بآثاره وهو الدين المشرع الذي جاء به النبي ، لكن ما المؤمن عن الغلط؟ وما الذي يصون النبي عن الوقوع في الخطإ في تشريعه وهو إنسان طبعه طبع سائر الأفراد في جواز الوقوع في الخطإ.

ومن المعلوم أن وقوع الخطإ في هذه المرحلة أعني مرحلة الدين ورفع الاختلاف عن الاجتماع يعادل نفس الاختلاف الاجتماعي في سد طريق استكمال النوع الإنساني ، وإضلاله هذا النوع في سيره إلى سعادته ، فيعود المحذور من رأس!.

قلت: الأبحاث السابقة تكفي مئونة حل هذه العقدة ، فإن الذي ساق هذا النوع نحو هذه الفعلية أعني الأمر الروحي الذي يرفع الاختلاف إنما هو الناموس التكويني الذي هو الإيصال التكويني لكل نوع من الأنواع الوجودية إلى كماله الوجودي وسعادته الحقيقية ، فإن السبب الذي أوجب وجود الإنسان في الخارج وجودا حقيقيا كسائر الأنواع الخارجية هو الذي يهديه هداية تكوينية خارجية إلى سعادته ، ومن المعلوم أن الأمور الخارجية من حيث إنها خارجية لا تعرضها الخطأ والغلط ، أعني الوجود الخارجي لا يوجد فيه الخطأ والغلط لوضوح أن ما في الخارج هو ما في الخارج! وإنما يعرض الخطأ والغلط في العلوم التصديقية والأمور الفكرية من جهة تطبيقها على الخارج فإن الصدق والكذب من خواص القضايا ، تعرضها من حيث مطابقتها للخارج وعدمها ، وإذا فرض أن الذي يهدي هذا النوع إلى سعادته ورفع اختلافه العارض على اجتماعه هو الإيجاد والتكوين لزم أن لا يعرضه غلط ولا خطأ في هدايته ، ولا في وسيلة هدايته التي هي روح النبوة وشعور الوحي ، فلا التكوين يغلط في وضعه هذا الروح والشعور في وجود النبي ، ولا هذا الشعور الذي وضعه يغلط في تشخيصه مصالح النوع عن مفاسده وسعادته عن شقائه ، ولو فرضنا له غلطا وخطأ في أمره وجب أن يتداركه بأمر آخر مصون عن الغلط والخطإ ، فمن الواجب أن يقف أمر التكوين على صواب لا خطأ فيه ولا غلط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت