قوله تعالى:"و قال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب"إلخ ، يذكر إنكارهم لإتيان الساعة وهي يوم القيامة وهم ينكرونه مع ظهور عموم ملكه وعلمه بكل شيء ولا مورد للارتياب في إتيانها مع ذلك كما تقدم فضلا عن إنكار إتيانها ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيب عن قولهم بقوله:"قل بلى وربي لتأتينكم"أي الساعة.
ولما كان السبب العمدة في إنكارهم هو اختلاط الأشياء ومنها أبدان الأموات بعضها ببعض وتبدل صورها تبدلا بعد تبدل بحيث لا خبر عن أعيانها فيمتنع إعادتها من دون تميز بعضها من بعض أشار إلى دفع ذلك بقوله:"عالم الغيب لا يعزب"أي لا يفوت"عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض".
وقوله:"و لا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين"تعميم لعلمه لكل شيء وفيه مع ذلك إشارة إلى أن للأشياء كائنة ما كانت ثبوتا في كتاب مبين لا تتغير ولا تتبدل وإن زالت رسومها عن صفحة الكون وقد تقدم بعض الكلام في الكتاب المبين في سورة الأنعام وغيرها.
قوله تعالى:"ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم"اللام في"ليجزي"للتعليل وهو متعلق بقوله:"لتأتينكم"وفي قوله:"لهم مغفرة ورزق كريم"نوع محاذاة لقوله السابق:"و هو الرحيم الغفور".
وفي الآية بيان أحد السببين لقيام الساعة وهو أن يجزي الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والرزق الكريم وهو الجنة بما فيها والسبب الأخير ما يشير إليه قوله:"و الذين سعوا في آياتنا معاجزين"إلخ.
قوله تعالى:"و الذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم"السعي الجد في المشي والمعاجزة المبالغة في الإعجاز وقيل: المسابقة والكلام مبني على الاستعارة بالكناية كان الآيات مسافة يسيرون فيها سيرا حثيثا ليعجزوا الله ويسبقوه والرجز كالرجس القذر ولعل المراد به العمل السيىء فيكون إشارة إلى تبدل العمل عذابا أليما عليهم أو سببا لعذابهم ، وقيل: الرجز هو سيء العذاب.
وفي الآية تعريض للكفار الذين يصرون على إنكار البعث.
قوله تعالى:"و يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق"الموصول الأول فاعل يرى والموصول الثاني مفعوله الأول والحق مفعوله الثاني والمراد بالذين أوتوا العلم العلماء بالله وبآياته ، وبالذي أنزل إليه القرآن النازل إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) .
وجملة"و يرى"إلخ ، استئناف متعرض لقوله السابق:"و قال الذين كفروا"أو حال من فاعل كفروا ، والمعنى: أولئك يقولون: لا تأتينا الساعة وينكرونه جهلا ، والعلماء بالله وآياته يرون أن هذا القرآن النازل إليك المخبر بأن الساعة آتية هو الحق.
وقوله:"و يهدي إلى صراط العزيز الحميد"معطوف على الحق أي ويرون القرآن يهدي إلى صراط من هو عزيز لا يغلب على ما يريد محمود يثنى على جميع أفعاله لأنه لا يفعل مع عزته إلا الجميل وهو الله سبحانه ، وفي التوصيف بالعزيز الحميد مقابلة لما وصفهم به في قوله:"الذين سعوا في آياتنا معاجزين".
قوله تعالى:"و قال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد"كلام منهم وارد مورد الاستهزاء يعرفون فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعضهم لبعض بالقول بالمعاد.
والتمزيق التقطيع والتفريق ، وكونهم في خلق جديد استقرارهم فيه أي تجديد خلقتهم بإحيائهم بعد موتهم ووجودهم ثانيا بعد عدمهم ، وقوله:"إذا مزقتم"ظرف لقوله:"إنكم لفي خلق جديد".
والمعنى: وقال الذين كفروا بعضهم لبعض على طريق الاستهزاء بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لإنذاره إياهم بالبعث والجزاء: هل ندلكم على رجل والمراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ينبئكم ويخبركم أنكم ستستقرون في خلق جديد ويتجدد لكم الوجود إذا فرقت أبدانكم كل التفريق وقطعت بحيث لا يتميز شيء منها من شيء.