قوله تعالى:"ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور""ذلك"إشارة إلى ما ذكر من إرسال السيل وتبديل الجنتين ومحله النصب مفعولا ثانيا لجزيناهم والفرق بين الجزاء والمجازاة - كما قيل إن المجازاة لا تستعمل إلا في الشر والجزاء أعم.
والمعنى: جزينا سبأ ذلك الجزاء بسبب كفرهم وإعراضهم عن الشكر - أو في مقابلة ذلك - ولا نجازي بالسوء إلا من كان كثير الكفران لأنعم الله.
قوله تعالى:"و جعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة"إلخ ، ضمير"بينهم"لسبإ والكلام مسوق لبيان تتمة قصتهم المطلوب ذكرها وهو عطف على قوله:"كان لسبإ"والمراد بالقرى التي باركنا فيها القرى الشامية ، والمراد بكون القرى ظاهرة كونها متقاربة يرى بعضها من بعض.
وقوله:"و قدرنا فيها السير"أي جعلنا السير فيها على نسبة مقدرة متناسبة غير مختلفة فالنسبة بين واحدة منها وما يليها كالنسبة بين ما يليها وما يليه ، وقوله:"سيروا فيها ليالي وأياما آمنين"على تقدير القول أي وقلنا: سيروا في هذه القرى على أمن إن شئتم ليالي وإن شئتم أياما ، والمراد قررنا فيها الأمن يسيرون فيها متى ما شاءوا من غير خوف وقلق.
قوله تعالى:"فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم"إلخ ، أي أنعمنا عليهم ما أنعمنا من وفور الفواكه وقرب المنازل وأمن الطرق وسهولة السير ورغد العيش فملوا ذلك وسئموه وقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا أي اجعل أسفارنا ذوات مسافات بعيدة نركب فيها الرواحل ونقطع المفاوز والبوادي وهذا بغي منهم وكفران كما طلبت بنو إسرائيل الثوم والبصل مكان المن والسلوى.
وبالجملة أتم الله نعمه عليهم في السفر بقرب المنازل وأمن الطرق ووفور النعمة كما أتم نعمه عليهم في الحضر وأراد منهم الشكر على ذلك فكفروا بنعمه في السفر كما كفروا بها في الحضر ، فأسرع الله في إسعاف ما اقترحوه فخرب بلادهم وفرق جمعهم وشتت شملهم.
فقوله:"فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا"اقتراح ضمني لتخريب بلادهم ، وقوله:"و ظلموا أنفسهم"أي بالمعاصي.
وقوله:"فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق"أي أزلنا أعيانهم وآثارهم فلم يبق منهم إلا أحاديث يحدث بها فيما يحدث فعادوا أسماء لا مسمى لهم إلا في وهم المتوهم وخيال المتخيل وفرقناهم كل تفرق فلم يبق من أجزاء وجودهم جزآن مجتمعان إلا فرقنا بينهما فصاروا كسدى لا شبح له بعد ما كانوا مجتمعا ذا قوة وشوكة حتى ضرب بهم المثل"تفرقوا أيادي سبإ".
وقوله:"إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور"أي في هذا الذي ذكر من قصتهم لآيات لكل من كثر صبره في جنب الله وكثر شكره لنعمه التي لا تحصى يستدل بتلك الآيات على أن على الإنسان أن يعبد ربه شكرا لنعمه وأن وراءه يوما يبعث فيه ويجزى بعمله.
قوله تعالى:"و لقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين"أي حقق إبليس عليهم ظنه أو وجد ظنه صادقا عليهم إذ قال لربه:"لأغوينهم ولأضلنهم""و لا تجد أكثرهم شاكرين"، وقوله:"فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين"بيان لتصديقه ظنه.
ومنه يظهر أن ضمير الجمع في"عليهم"هاهنا وكذا في الآية التالية لعامة الناس لا لسبإ خاصة وإن كانت الآية منطبقة عليهم.
قوله تعالى:"و ما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك"ظاهر السياق أن المراد أنهم لم يتبعوه عن سلطان له عليهم يضطرهم إلى اتباعه حتى يكونوا معذورين بل إنما اتبعوه عن سوء اختيارهم فهم يختارون اتباعه فيتسلط عليهم لا أنه يتسلط فيتبعونه ، قال تعالى:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين": الحجر: 42 ، وقال حاكيا عن إبليس يوم القيامة:"و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم": إبراهيم: 22.
ومنشأ اتباعهم له ريب وشك في قلوبهم من الآخرة يظهر منهم بظهور أثره الذي هو الاتباع لإبليس ، فإذنه سبحانه لإبليس أن يتسلط عليهم من طريق اختيارهم هذا المقدار من التسلط ليمتاز به أهل الشك في الآخرة من أهل الإيمان به ولا يرفع ذلك مسئوليتهم في اتباعه لكونه عن اختيار منهم.