فهرس الكتاب

الصفحة 3438 من 4314

و قوله:"إلا لمن أذن له"يحتمل أن يكون اللام في"لمن"لام الملك والمراد بمن أذن له الشافع من الملائكة ، والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلا أن يملكه الشافع بالإذن من الله وأن يكون لام التعليل والمراد بمن أذن له المشفوع له ، والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلا لأجل من أذن له من المشفوع لهم ، قال في الكشاف: وهذا يعني الوجه الثاني وجه لطيف وهو الوجه.

انتهى.

وهو الوجه فإن الملائكة على ما يستفاد من كلامه تعالى وسائط لإنفاذ الأمر الإلهي وإجرائه ، قال تعالى:"لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27 ، وقال:"جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة": فاطر: 1 ، والوساطة المذكورة من الشفاعة كما تقدم في مباحث الشفاعة في الجزء الأول من الكتاب.

فالملائكة جميعا شفعاء لكن لا في كل أمر ولكل أحد بل في أمر أذن الله فيه ولمن أذن له فنفي شفاعتهم إلا مع الإذن يناسب المشفوع لهم دون الشفعاء ، فالآية في معنى قوله تعالى:"و لا يشفعون إلا لمن ارتضى": الأنبياء: 28 ، لا في معنى قوله:"ما من شفيع إلا من بعد إذنه": يونس: 3.

قوله تعالى:"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"التفزيع إزالة الفزع وكشفه وضمائر الجمع - على ما يعطيه السياق - للشفعاء وهم الملائكة.

ولازم قوله:"حتى إذا فزع عن قلوبهم"- وهو غاية - أن يكون هناك أمر مغيى بها وهو كون قلوبهم في فزع ممتد في انتظار أمر الله سبحانه حتى يرتفع بصدور الأمر منه ، فالآية في معنى قوله تعالى:"و لله يسجد - إلى أن قال - والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون": النحل: 50 ، فالفزع هو التأثر والانقباض من الخوف وهو المراد بسجدتهم تذللا من خوف ربهم من فوقهم.

وبذلك يظهر أن المراد بفزعهم حتى يفزع عنهم أن التذلل غشي قلوبهم وهو تذللهم من حيث إنهم أسباب وشفعاء في نفوذ الأوامر الإلهية ووقوعه على ما صدر وكما أريد ، وكشف هذا التذلل هو تلقيهم الأمر الإلهي واشتغالهم بالعمل كأنهم بحيث لا يظهر من وجودهم إلا فعلهم وطاعتهم لله فيما أمرهم به وأنه لا واسطة بين الله سبحانه وبين الفعل إلا أمره فافهم ذلك.

وإنما نسب الفزع والتفزيع إلى قلوبهم للدلالة على أنهم ذاهلون منصرفون عن أنفسهم وعن كل شيء إلا ربهم وهم على هذه الحالة لا يشعرون بشيء غيره حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند صدور الأمر الإلهي بلا مهل ولا تخلف فليس الأمر بحيث يعطل أو يتأخر عن الوقوع ، قال تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 ، فالمستفاد من الآية نظرا إلى هذا المعنى أنهم في فزع حتى إذا أزيل فزعهم بصدور الأمر الإلهي.

وقوله:"قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق"يدل على أنهم طوائف كثيرون يسأل بعضهم بعضا عن الأمر الإلهي بعد صدوره وانكشاف الفزع عن قلوب السائلين.

ويتبين منه أن كشف الفزع ونزول الأمر إلى بعضهم أسبق منه إلى بعض آخر فإن لازم السؤال أن يكون المسئول عالما بما سئل عنه قبل السائل.

فلهم مراتب مختلفة ومقامات متفاوتة بعضها فوق بعض تتلقى الدانية منها الأمر الإلهي من العالية من غير تخلف ولا مهلة وهو طاعة الداني منهم للعالي ، كما يستفاد ذلك أيضا بالتدبر في قوله تعالى:"و ما منا إلا له مقام معلوم": الصافات: 164 ، وقوله في وصف الروح الأمين:"ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين": التكوير: 21.

فبينهم مطاع ومطيع ولا طاعة مع ذلك إلا لله سبحانه لأن المطاع منهم لا شأن له إلا إيصال ما وصل إليه من الأمر الإلهي إلى مطيعه الذي دونه ، ويمكن أن يستفاد ذلك من توصيف القول بالحق في قوله:"قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق"أي قال القول الثابت الذي لا سبيل للبطلان والتبدل إليه.

وما ألطف ختم الآية بقوله تعالى:"و هو العلي الكبير"أي هو العلي الذي دونه كل شيء والكبير الذي يصغر عنده كل شيء فليس للملائكة المكرمين إلا تلقي قوله الحق وامتثاله وطاعته كما يريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت