فهرس الكتاب

الصفحة 3439 من 4314

فقد تحصل من الآية الكريمة أن الملائكة فزعون في أنفسهم متذللون في ذواتهم ذاهلون عن كل شيء إلا عن ربهم محدقون إلى ساحة العظمة والكبرياء في انتظار صدور الأمر حتى يكشف عن قلوبهم الفزع ، بصدور الأمر ونزوله وهم مع ذلك طوائف مختلفة ذووا مقامات متفاوتة علوا ودنوا يتوسط كل عال في إيصال الأمر النازل إلى من هو دونه.

فهم مع كونهم شفعاء وأسبابا متوسطة لا يشفعون ولا يتوسطون في حدوث حادث من حوادث الخلق والتدبير إلا بإذن خاص من ربهم في حدوثه فيتحملون الأمر النازل إليهم حتى يحققوه في الكون من غير أن يستقلوا من أنفسهم في شيء أو يستبدوا برأي ، ومن كان هذا شأنه لا يشعر بشيء إلا طاعة ربه فيما يأمره به كيف يكون ربا مستقلا في أمره مفوضا إليه التدبير يعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء؟ وفي الآية أقوال مختلفة أخر: منها: أن ضمير"قلوبهم"و"قالوا"الثاني للمشركين دون الملائكة وضمير"قالوا"الأول للملائكة والمعنى: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين وقت الفزع قالت الملائكة لهم: ما ذا قال ربكم؟ قالت المشركون لهم: الحق فيعترفون بما أنكروه في الدنيا.

ومنها: أن ضمير"قلوبهم"للملائكة والمراد أن الملائكة الموكلين بالأعمال إذا صعدوا بأعمال العباد إلى السماء ولهم زجل وصوت عظيم خشيت الملائكة أنها الساعة فيفزعون ويخرون سجدا لله سبحانه حتى إذا كشف عن قلوبهم الفزع وعلموا أنه ليس الأمر كذلك فسألوا ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق.

ومنها: أن الله لما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فترة بينه وبين عيسى (عليه السلام) لم ينزل فيها شيء من الوحي أنزل الله سبحانه جبريل بالوحي فلما نزل ظنت الملائكة أنه نزل بشيء من أمر الساعة فصعقوا لذلك فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف الفزع عن الملائكة الساكنين فيها فرفعوا رءوسهم وقال بعضهم لبعض: ما ذا قال ربكم؟ قالوا: الحق أي الوحي.

ومنها: أن الضمير للملائكة والمراد أن الله سبحانه إذا أوحى إلى بعض الملائكة غشي على الملائكة عند سماع الوحي ويصعقون ويخرون سجدا للآية العظيمة فإذا فزع عن قلوبهم سألت الملائكة ذلك الملك الذي أوحي إليه ما ذا قال ربك؟ أو سأل بعضهم بعضا ما ذا قال ربكم؟ فيعلمون أن الأمر في غيرهم.

وأنت بعد التدبر في الآية الكريمة والتأمل فيما قدمناه تعلم وجه الضعف في هذه الأقوال وأن شيئا منها على تقدير صحته في نفسه لا يصلح تفسيرا لها.

قوله تعالى:"قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله"إلخ ، احتجاج آخر على المشركين من جهة الرزق الذي هو الملاك العمدة في اتخاذهم الآلهة فإنهم يتعللون في عبادتهم الآلهة بأنها ترضيهم فيوسعون لهم في رزقهم فيسعدون بذلك.

فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسألهم من يرزقهم من السماوات والأرض؟ والجواب عنه أنه الله سبحانه لأن الرزق خلق في نفسه ولا خالق - حتى عند المشركين - إلا الله عز اسمه لكنهم يستنكفون عن الاعتراف به بألسنتهم وإن أذعنت به قلوبهم ولذلك أمر أن ينوبهم في الجواب فقال:"قل الله".

وقوله:"و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"، تتمة قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا القول بعد إلقاء الحجة القاطعة ووضوح الحق في مسألة الألوهية مبني على سلوك طريق الإنصاف ، ومفاده أن كل قول إما هدى أو ضلال لا ثالث لهما نفيا وإثباتا ونحن وأنتم على قولين مختلفين لا يجتمعان فإما أن نكون نحن على هدى وأنتم في ضلال وإما أن تكونوا أنتم على هدى ونحن في ضلال فانظروا بعين الإنصاف إلى ما ألقي إليكم من الحجة وميزوا المهدي من الضال والمحق من المبطل.

واختلاف التعبير في قوليه:"على هدى"و"في ضلال"بلفظة على وفي - كما قيل - للإشارة إلى أن المهتدي كأنه مستعل على منار يتطلع على السبيل وغايتها التي فيها سعادته ، والضال منغمر في ظلمة لا يدري أين يضع قدمه وإلى أين يسير وما ذا يراد به؟.

قوله تعالى:"قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون"أي إن العمل وخاصة عمل الشر لا يتعدى عن عامله ولا يلحق وباله إلا به فلا يسأل عنه غيره فلا تسألون عما أجرمنا بل نحن المسئولون عنه ولا نسأل عما تعملون بل أنتم المسئولون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت