و عن الخصال ، بإسناده عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد ولا إناء يبال فيه.
أقول: وهناك روايات أخرى في صفة الملائكة فوق حد الإحصاء واردة في باب المعاد ومعراج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبواب متفرقة أخرى ، وفيما أوردناه أنموذج كاف في ذلك.
وفي العيون ، في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار المجموعة بإسناده عنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا ، وقرأ"يزيد في الخلق ما يشاء".
وفي التوحيد ، بإسناده عن زرارة عن عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله يزيد في الخلق ما يشاء.
وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"يزيد في الخلق ما يشاء": روى أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن.
أقول: والروايات الثلاث الأخيرة من قبيل الجري والانطباق.
كلام في الملائكة
تكرر ذكر الملائكة في القرآن الكريم ولم يذكر منهم بالتسمية إلا جبريل وميكال وما عداهما مذكور بالوصف كملك الموت والكرام الكاتبين والسفرة الكرام البررة والرقيب والعتيد وغير ذلك.
والذي ذكره الله سبحانه في كلامه - وتشايعه الأحاديث السابقة - من صفاتهم وأعمالهم هو أولا: أنهم موجودات مكرمون هم وسائط بينه تعالى وبين العالم المشهود فما من حادثة أو واقعة صغيرة أو كبيرة إلا وللملائكة فيها شأن وعليها ملك موكل أو ملائكة موكلون بحسب ما فيها من الجهة أو الجهات وليس لهم في ذلك شأن إلا إجراء الأمر الإلهي في مجراه أو تقريره في مستقره كما قال تعالى لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:"الأنبياء: - 27."
وثانيا: أنهم لا يعصون الله فيما أمرهم به فليست لهم نفسية مستقلة ذات إرادة مستقلة تريد شيئا غير ما أراد الله سبحانه فلا يستقلون بعمل ولا يغيرون أمرا حملهم الله إياه بتحريف أو زيادة أو نقصان قال تعالى:"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون:"التحريم: - 6.
وثالثا: أن الملائكة على كثرتهم على مراتب مختلفة علوا ودنوا فبعضهم فوق بعض وبعضهم دون بعض فمنهم آمر مطاع ومنهم مأمور مطيع لأمره ، والآمر منهم آمر بأمر الله حامل له إلى المأمور والمأمور مأمور بأمر الله مطيع له ، فليس لهم من أنفسهم شيء البتة قال تعالى:"و ما منا إلا له مقام معلوم:"الصافات: - 146 وقال:"مطاع ثم أمين:"التكوير: - 21 ، وقال:"قالوا ما ذا قال ربكم قالوا الحق:"سبأ: - 23.
ورابعا: أنهم غير مغلوبين لأنهم إنما يعملون بأمر الله وإرادته"و ما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض:"فاطر: - 44 ، وقد قال الله:"و الله غالب على أمره:"يوسف: - 21 ، وقال:"إن الله بالغ أمره:"الطلاق: - 3.
ومن هنا يظهر أن الملائكة موجودات منزهة في وجودهم عن المادة الجسمانية التي هي في معرض الزوال والفساد والتغير ومن شأنها الاستكمال التدريجي الذي تتوجه به إلى غايتها ، وربما صادفت الموانع والآفات فحرمت الغاية وبطلت دون البلوغ إليها.
ومن هنا يظهر أن ما ورد في الروايات من صور الملائكة وأشكالهم وهيئاتهم الجسمانية كما تقدم نبذة منها في البحث الروائي السابق إنما هو بيان تمثلاتهم وظهوراتهم للواصفين من الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ، وليس من التصور والتشكل في شيء ففرق بين التمثل والتشكل فتمثل الملك إنسانا هو ظهوره لمن يشاهده في صورة الإنسان فهو في ظرف المشاهدة والإدراك ذو صورة الإنسان وشكله وفي نفسه والخارج من ظرف الإدراك ملك ذو صورة ملكية وهذا بخلاف التشكل والتصور فإنه لو تشكل بشكل الإنسان وتصور بصورته صار إنسانا في نفسه من غير فرق بين ظرف الإدراك والخارج عنه فهو إنسان في العين والذهن معا؟ وقد تقدم كلام في معنى التمثل في تفسير سورة مريم.
ولقد صدق الله سبحانه ما تقدم من معنى التمثل في قوله في قصة المسيح ومريم:"فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا:"مريم: - 17 وقد تقدم تفسيره.