و كذا العزة بمعنى الغلبة قال تعالى:"و عزني في الخطاب:" (صلى الله عليه وآله وسلم) : - 23 والعزة بمعنى القلة وصعوبة المنال ، قال تعالى:"و إنه لكتاب عزيز:"حم السجدة: - 41 والعزة بمعنى مطلق الصعوبة قال تعالى:"عزيز عليه ما عنتم:"التوبة: - 182:"و العزة بمعنى الأنفة والحمية قال تعالى بل الذين كفروا في عزة وشقاق:"ص: - 2 إلى غير ذلك.
ثم إن العزة بمعنى كون الشيء قاهرا غير مقهور أو غالبا غير مغلوب تختص بحقيقة معناها بالله عز وجل إذ غيره تعالى فقير في ذاته ذليل في نفسه لا يملك لنفسه شيئا إلا أن يرحمه الله ويؤتيه شيئا من العزة كما فعل ذلك بالمؤمنين به قال تعالى:"و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين:"المنافقون: - 8.
وبذلك يظهر أن قوله:"من كان يريد العزة فلله العزة جميعا"ليس بمسوق لبيان اختصاص العزة بالله بحيث لا ينالها غيره وأن من أرادها فقد طلب محالا وأراد ما لا يكون بل المعنى من كان يريد العزة فليطلبها منه تعالى لأن العزة له جميعا لا توجد عند غيره بالذات.
فوضع قوله:"فلله العزة جميعا"في جزاء الشرط من قبيل وضع السبب موضع المسبب وهو طلبها من عنده أي اكتسابها منه بالعبودية التي لا تحصل إلا بالإيمان والعمل الصالح.
قوله تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"الكلم - كما قيل - اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث ، وقال في المجمع ،: والكلم جمع كلمة يقال؟ هذا كلم وهذه كلم فيذكر ويؤنث ، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء يجوز فيه التذكير والتأنيث انتهى.
والمراد بالكلم على أي حال ما يفيد معنى تاما كلاميا ويشهد به توصيفه بالطيب فطيب الكلم هو ملاءمته لنفس سامعه ومتكلمه بحيث تنبسط منه وتستلذه وتستكمل به وذلك إنما يكون بإفادته معنى حقا فيه سعادة النفس وفلاحها.
وبذلك يظهر أن المراد به ليس مجرد اللفظ بل بما أن له معنى طيبا فالمراد به الاعتقادات الحقة التي يسعد الإنسان بالإذعان لها وبناء عمله عليها والمتيقن منها كلمة التوحيد التي يرجع إليها سائر الاعتقادات الحقة وهي المشمولة لقوله تعالى:"أ لم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها:"إبراهيم: - 25 وتسمية الاعتقاد قولا وكلمة أمر شائع بينهم.
وصعود الكلم الطيب إليه تعالى هو تقربه منه تعالى اعتلاء وهو العلي الأعلى رفيع الدرجات ، وإذ كان اعتقادا قائما بمعتقده فتقربه منه تعالى تقرب المعتقد به منه ، وقد فسروا صعود الكلم الطيب بقبوله تعالى له وهو من لوازم المعنى.
ثم إن الاعتقاد والإيمان إذا كان حق الاعتقاد صادقا إلى نفسه صدقه العمل ولم يكذبه أي يصدر عنه العمل على طبقه فالعمل من فروع العلم وآثاره التي لا تنفك عنه ، وكلما تكرر العمل زاد الاعتقاد رسوخا وجلاء وقوي في تأثيره فالعمل الصالح وهو العمل الحري بالقبول الذي طبع عليه بذل العبودية والإخلاص لوجهه الكريم يعين الاعتقاد الحق في ترتب أثره عليه وهو الصعود إليه تعالى وهو المعزى إليه بالرفع فالعمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
فقد تبين بما مر معنى قوله:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"وأن ضمير"إليه"لله سبحانه والمراد بالكلم الطيب الاعتقاد الحق كالتوحيد ، وبصعوده تقربه منه تعالى ، وبالعمل الصالح ما كان على طبق الاعتقاد الحق ويلائمه وأن الفاعل في"يرفعه"ضمير مستكن راجع إلى العمل الصالح وضمير المفعول راجع إلى الكلم الطيب.
ولهم في الآية أقوال أخر: فقد قيل: إن المراد بصعود الكلم الطيب قبوله والإثابة عليه كما تقدمت الإشارة إليه ، وقيل: المراد صعود الملائكة بما كتب من الإيمان والطاعات إلى الله سبحانه ، وقيل: المراد صعودهم به إلى السماء فسمي الصعود إلى السماء صعودا إلى الله مجازا.
وقيل: إن فاعل"يرفعه"ضمير عائد إلى الكلم الطيب وضمير المفعول للعمل الصالح والمعنى أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح أي أن العمل الصالح لا ينفع إلا إذا صدر عن التوحيد ، وقيل: فاعل"يرفعه"ضمير مستكن راجع إليه تعالى والمعنى العمل الصالح يرفعه الله.
وجملة هذه الوجوه لا تخلو من بعد والأسبق إلى الذهن ما قدمناه من المعنى.