فهرس الكتاب

الصفحة 3462 من 4314

قوله تعالى:"و الذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور"ذكروا أن"السيئات"وصف قائم مقام موصوف محذوف وهو المكرات ، ووضع اسم الإشارة موضع الضمير في"مكر أولئك"للدلالة على أنهم متعينون لا مختلطون بغيرهم والمعنى والذين يمكرون المكرات السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك الماكرين هو يبور ويهلك فلا يستعقب أثرا حيا فيه سعادتهم وعزتهم.

وقد بان أن المراد بالسيئات أنواع المكرات والحيل التي يتخذها المشركون وسائل لكسب العزة ، والآية مطلقة ، وقيل: المراد المكرات التي اتخذتها قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في دار الندوة وغيرها من إثبات أو إخراج أو قتل فرد الله كيدهم إليهم وأخرجهم إلى بدر وقتلهم وأثبتهم في القليب فجمع عليهم الإثبات والإخراج والقتل وهذا وجه حسن لكن الآية مطلقة.

ووجه اتصال ذيل الآية بصدرها أعني اتصال قوله:"إليه يصعد"إلى آخر الآية بقوله:"من كان يريد العزة فلله العزة جميعا"أن المشركين كانوا يعتزون بآلهتهم كما قال تعالى:"و اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا:"مريم: - 81 فدعاهم الله سبحانه وهم يطلبون العز إلى نفسه بتذكيرهم أن العزة لله جميعا وبين تعالى ذلك بأن توحيده يصعد إليه والعمل الصالح يرفعه فيكتسب الإنسان بالتقرب منه عزة من منبع العزة وأما الذين يمكرون كل مكر سيىء لاكتساب العزة فلهم عذاب شديد وما مكروه من المكر بائر هالك لا يصعد إلى محل ولا يكسب لهم عزا.

قوله تعالى:"و الله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا"إلخ.

يشير تعالى إلى خلق الإنسان فابتدأ خلقه من تراب وهو المبدأ البعيد الذي تنتهي إليه الخلقة ثم من نطفة وهي مبدأ قريب تتعلق به الخلقة.

وقيل المراد بخلقهم من تراب خلق أبيهم آدم من تراب فإن الشيء يضاف إلى أصله وقيل: بل المراد خلق آدم نفسه وقيل: بل المراد خلقهم خلقا إجماليا من تراب في ضمن خلق آدم من تراب والخلق التفصيلي هو من نطفة كما قال: ثم من نطفة.

والفرق بين الوجوه الثلاثة أن في الأول نسبة الخلق من تراب إليهم على طريق المجاز العقلي ، وفي الثاني المراد بخلقهم خلق آدم ولا مجاز في النسبة ، وفي الثالث المراد خلق كل واحد من الأفراد من التراب حقيقة من غير مجاز إلا أنه خلق إجمالي لا تفصيلي وبهذا يفارق ما قدمناه من الوجه.

ويمكن تأييد القول الأول بقوله تعالى:"خلق الإنسان من صلصال كالفخار:"الرحمن: - 14 ، والثاني بنحو قوله:"و بدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين:"السجدة: - 8 ، والثالث بقوله:"و لقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم:"الأعراف: - 11 ولكل وجه.

وقوله:"ثم جعلكم أزواجا أي ذكورا وإناثا ، وقيل: أي قدر بينكم الزوجية وزوج بعضكم من بعض ، وهو كما ترى ، وقيل: أي أصنافا وشعوبا."

وهو كسابقه.

وقوله:"و ما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه"من زائدة لتأكيد النفي ، والباء في"بعلمه"للمصاحبة وهو حال من الحمل والوضع ، والمعنى ما تحمل ولا تضع أنثى إلا وعلمه يصاحب حمله ووضعه ، وذكر بعضهم أنه حال من الفاعل وأن كونه حالا من الحمل والوضع وكذا من مفعوليهما أي المحمول والموضوع خلاف الظاهر وهو ممنوع.

وقوله:"و ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب"أي وما يمد ويزاد في عمر أحد فيكون معمرا ولا ينقص من عمره أي عمر أحد إلا في كتاب.

فقوله:"و ما يعمر من معمر"من قبيل قوله:"إني أراني أعصر خمرا:"يوسف: - 26 فوضع معمر موضع نائب الفاعل وهو أحد بعناية أنه بعد تعلق التعمير به يصير معمرا وإلا فتعمير المعمر لا معنى له.

وقوله:"و لا ينقص من عمره"الضمير في"عمره"راجع إلى"معمر"باعتبار موصوفه المحذوف وهو أحد والمعنى ولا ينقص من عمر أحد وإلا فنقص عمر المفروض معمرا تناقض خارق للفرض.

وقوله:"إلا في كتاب"وهو اللوح المحفوظ الذي لا سبيل للتغيير إليه فقد كتب فيه أن فلانا يزاد في عمره كذا لسبب كذا وفلانا ينقص من عمره كذا لسبب كذا وأما كتاب المحو والإثبات فهو مورد التغير وسياق الآية يفيد وصف العلم الثابت ولهم في قوله:"و ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره"وجوه أخر ضعيفة لا جدوى في التعرض لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت