فهرس الكتاب

الصفحة 3463 من 4314

و قوله:"إن ذلك على الله يسير"تعليل وتقرير لما في الآية من وصف خلق الإنسان وكيفية إحداثه وإبقائه والمعنى أن هذا التدبير الدقيق المتين المهيمن على كليات الحوادث وجزئياتها المقرر كل شيء في مقره على الله يسير لأنه الله العليم القدير المحيط بكل شيء بعلمه وقدرته فهو تعالى رب الإنسان كما أنه رب كل شيء.

قوله تعالى:"و ما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج"إلى آخر الآية قيل: العذب من الماء طيبه ، والفرات الماء الذي يكسر العطش أو البارد كما في المجمع ، والسائغ هو الذي يسهل انحداره في الحلق لعذوبته والأجاج الذي يحرق لملوحته أو المر.

وقوله:"و من كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها"اللحم الطري الغض الجديد ، والمراد لحم السمك أو السمك والطير ، البحري والحلية المستخرجة من البحر اللؤلؤ والمرجان والأصداف قال تعالى:"يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان:"الرحمن: - 22.

وفي الآية تمثيل للمؤمن والكافر بالبحر العذب والمالح يتبين به عدم تساوي المؤمن والكافر في الكمال الفطري وإن تشاركا في غالب الخواص الإنسانية وآثارها فالمؤمن باق على فطرته الأصلية ينال بها سعادة الحياة الدائمة والكافر منحرف فيها متلبس بما لا تستطيبه الفطرة الإنسانية وسيعذب بأعماله فمثلهما مثل البحرين المختلفين عذوبة وملوحة فهما مختلفان من حيث البقاء على فطرة الماء الأصلية وهي العذوبة والخروج عنها بالملوحة وإن اشتركا في بعض الآثار التي ينتفع بها ، فمن كل منهما تأكلون لحما طريا وهو لحم السمك والطير المصطاد من البحر وتستخرجون حلية تلبسونها كاللؤلؤ والمرجان والأصداف.

فظاهر الآية أن الحلية المستخرجة مشتركة بين البحر العذب والبحر المالح لكن جمعا من المفسرين استشكلوا ذلك بأن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان من البحر المالح دون العذب ، وقد أجابوا عنه بأجوبة مختلفة.

منها أن الآية مسوقة لبيان اشتراك البحرين في مطلق الفائدة وإن اختص ببعضها كأنه قيل: ومن كل تنتفعون وتستفيدون كما تأكلون منهما لحما طريا وتستخرجون من البحر المالح حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر.

ومنها أنه شبه المؤمن والكافر بالعذب والأجاج ثم فضل الأجاج على الكافر بأن في الأجاج بعض النفع والكافر لا نفع في وجوده فالآية على طريقة قوله تعالى:"ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة"ثم قال:"و إن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله:"البقرة: - 74.

ومنها أن قوله:"و تستخرجون حلية تلبسونها"من تتمة التمثيل على معنى أن البحرين وإن اشتركا في بعض المنافع تفاوتا فيما هو المقصود بالذات لأن أحدهما خالطه ما خرج به عن صفاء فطرته والمؤمن والكافر وإن اتفقا أحيانا في بعض المكارم كالشجاعة والسخاوة متفاوتان فيما هو الأصل لبقاء أحدهما على صفاء الفطرة الأصلية دون الآخر.

ومنها أنه لا مانع من أن يخرج اللؤلؤ من المياه العذبة وإن لم نره فالإشكال باختصاص الحلية بالماء المالح ممنوع.

ومنها منع أصل الدعوى وهو كون الآية"و ما يستوي البحران"إلخ.

تمثيلا للمؤمن والكافر بل هي واقعة في سياق تعداد النعم لإثبات الربوبية كقوله قبلا:"و الله الذي أرسل الرياح"وقوله بعدا:"يولج الليل في النهار"إلخ.

فالآية مسوقة لبيان نعمة البحر واختلافه بالعذوبة والملوحة وما فيهما من المنافع المشتركة والمختصة.

ويؤيد هذا الوجه أن نظير الآية في سورة النحل واقعة في سياق الآيات العادة لنعم الله سبحانه وهو قوله:"و هو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون: النحل: - 14."

والحق أن أصل الاستشكال في غير محله وأن البحرين يشتركان في وجود الحلية فيهما كما هو مذكور في الكتب الباحثة عن هذه الشئون مشروح فيها 1.

قوله تعالى:"و ترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"ضمير"فيه"للبحر ، ومواخر جمع ماخرة من المخر بمعنى الشق عدت السفينة ماخرة لشقها الماء بجؤجؤتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت