فهرس الكتاب

الصفحة 3464 من 4314

قيل: إنما أفرد ضمير الخطاب في قوله:"ترى"بخلاف الخطابات المتقدمة والمتأخرة لأن الخطاب لكل أحد يتأتى منه الرؤية دون المنتفعين بالبحرين فقط.

وقوله:"لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون"أي مخر الفلك البحر بتسخيره لتطلبوا من عطائه وهو الرزق ورجاء أن تشكروا الله سبحانه ، وقد تقدم أن الترجي الذي تفيده"لعل"في كلامه تعالى قائم بالمقام دون المتكلم.

وقد قيل في هذه الآية:"و ترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله"وفي سورة النحل:"و ترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله"فاختلفت الآيتان في تقديم"فيه"على"مواخر"وتأخيره منه وعطف"لتبتغوا"وعدمه.

ولعل النكتة في ذلك أن آية النحل مصدرة بكلمة التسخير فهي مسوقة لبيان كيفية التسخير والأنسب لذلك تأخير"فيه"ليتعلق بمواخر ويشير إلى مخر البحر فيصرح بالتسخير بخلاف ما هاهنا ثم التسخير له غايات كثيرة منها ابتغاء الفضل والأنسب لذلك عطف"لتبتغوا"على محذوف ليدل على عدم انحصار الغاية في ابتغاء الفضل بخلاف ما هاهنا فإن الغرض بيان أنه الرازق المدبر ليرتدع المكذبون - وقد تقدم ذكر تكذيبهم - عن تكذيبهم ويكفي في ذلك بيان ابتغائهم الفضل غاية من غير حاجة إلى العطف.

والله أعلم.

وقال في روح المعاني ، في المقام: والذي يظهر لي في ذلك أن آية النحل سيقت لتعداد النعم كما يؤذن بذلك سوابقها ولواحقها وتعقيب الآيات بقوله سبحانه:"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"فكان الأهم هناك تقديم ما هو نعمة وهو مخر الفلك للماء بخلاف ما هنا فإنه إنما سيق استطرادا أو تتمة للتمثيل كما علمت آنفا فقدم فيه"فيه"إيذانا بأنه ليس المقصود بالذات ذلك ، وكان الاهتمام بما هناك اقتضى أن يقال في تلك الآية:"و لتبتغوا"بالواو ومخالفة ما هنا لذلك اقتضت ترك الواو في قوله:"لتبتغوا"انتهى.

قوله تعالى:"يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى"إلخ.

إيلاج الليل في النهار قصر النهار بطول الليل وإيلاج النهار في الليل قصر الليل بطول النهار ، والمراد بالجملتين الإشارة إلى اختلاف الليل والنهار في الطول والقصر المستمر في أيام السنة بتغير الأيام ولذا عبر بقوله:"يولج"الدال على استمرار التغيير بخلاف جريان الشمس والقمر فإنه ثابت على حاله ولذا عبر فيه بقوله:"و سخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى"والعناية صورية مسامحية.

وقوله:"ذلكم الله ربكم"بمنزلة النتيجة لما تقدم أي إذا كان أمر خلقكم وتدبيركم برا وبحرا وأرضا وسماء منتسبا إليه مدبرا بتدبيره فذلكم الله ربكم الذي يملككم ويدبر أمركم.

وقوله:"له الملك"مستنتج مما قبله وتوطئة وتمهيد لما بعده من قوله:"و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير".

وقوله:"و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير"القطمير على ما قاله الراغب الأثر على رأس النواة وذلك مثل للشيء الطفيف ، وفي المجمع ، القطمير لفافة النواة وقيل: الحبة في بطن النواة انتهى والكلام على أي حال مبالغة في نفي أصل الملك والمراد بالذين تدعون من دون الله آلهتهم الذين كانوا يدعونها من الأصنام وأربابها.

قوله تعالى:"إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم"إلخ.

بيان وتقرير لما تقدم من قوله:"و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير"أي تصديق كونهم لا يملكون شيئا أنكم إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم لأن الأصنام جمادات لا شعور لها ولا حس وأرباب الأصنام كالملائكة والقديسين من البشر في شغل شاغل من ذلك على أنهم لا يملكون سمعا من عند أنفسهم فلا يسمعون إلا بإسماعه.

وقوله:"و لو سمعوا ما استجابوا لكم"إذ لا قدرة لهم على الاستجابة قولا ولا فعلا أما الأصنام فظاهر وأما أرباب الأصنام فقدرتهم من الله سبحانه ولن يأذن الله لأحد أن يستجيب أحدا يدعوه بالربوبية قال تعالى:"لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا:"النساء: - 127.

وقوله:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم"أي يردون عبادتكم إليكم ويتبرءون منكم بدلا من أن يكونوا شفعاء لكم"إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا:"البقرة: - 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت