فهرس الكتاب

الصفحة 3472 من 4314

قوله تعالى:"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا"إلى آخر الآية.

يقال: أورثه مالا كذا أي تركه فيهم يقومون بأمره بعده وقد كان هو القائم بأمره المتصرف فيه ، وكذا إيراث العلم والجاه ونحوهما تركه عند الغير يقوم بأمره بعد ما كان عند غيره ينتفع به فإيراث القوم الكتاب تركه عندهم يتناولونه خلفا عن سلف وينتفعون به.

وتصح هذه النسبة وإن كان القائم به بعض القوم دون كلهم ، قال تعالى:"و لقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب:"المؤمن: - 54 ، وقال"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله:"المائدة: - 44 ، وقال:"و إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب:"الشورى: - 14.

فبنو إسرائيل أورثوا الكتاب وإن كان المؤدون حقه القائمون بأمره بعضهم لا جميعهم.

والمراد بالكتاب في الآية على ما يعطيه السياق هو القرآن الكريم كيف؟ وقوله في الآية السابقة:"و الذي أوحينا إليك من الكتاب"نص فيه ، فاللام في الكتاب للعهد دون الجنس فلا يعبأ بقول من يقول: إن اللام للجنس والمراد بالكتاب مطلق الكتاب السماوي المنزل على الأنبياء.

والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ويقرب من معنى الاختيار والفرق أن الاختيار أخذ الشيء من بين الأشياء بما أنه خيرها والاصطفاء أخذه من بينها بما أنه صفوتها وخالصها.

وقوله:"من عبادنا"يحتمل أن يكون"من"للتبيين أو للابتداء أو للتبعيض الأقرب إلى الذهن أن يكون بيانية وقد قال تعالى:"و سلام على عباده الذين اصطفى:"النمل: - 59.

واختلفوا في هؤلاء المصطفين من عباده من هم؟ فقيل: هم الأنبياء ، وقيل: هم بنو إسرائيل الداخلون في قوله:"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين:"آل عمران: - 33 ، وقيل: هم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أورثوا القرآن من نبيهم إليه يرجعون وبه ينتفعون علماؤهم بلا واسطة وغيرهم بواسطتهم ، وقيل: هم العلماء من الأمة المحمدية.

وقيل: - وهو المأثور عن الصادقين (عليهما السلام) في روايات كثيرة مستفيضة - إن المراد بهم ذرية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أولاد فاطمة (عليها السلام) وهم الداخلون في آل إبراهيم في قوله:"إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم:"آل عمران: - 33 ، وقد نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على علمهم بالقرآن وإصابة نظرهم فيه وملازمتهم إياه بقوله في الحديث المتواتر المتفق عليه:"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".

وعلى هذا فالمعنى بعد ما أوحينا إليك القرآن - ثم للتراخي الرتبي - أورثنا ذريتك إياه وهم الذين اصطفينا من عبادنا إذا اصطفينا آل إبراهيم وإضافة العباد إلى نون العظمة للتشريف.

وقوله:"فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات"يحتمل أن يكون ضمير"منهم"راجعا إلى"الذين اصطفينا"فيكون الطوائف الثلاث الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات شركاء في الوراثة وإن كان الوارث الحقيقي العالم بالكتاب والحافظ له هو السابق بالخيرات.

ويحتمل أن يكون راجعا إلى عبادنا - من غير إفادة الإضافة للتشريف - فيكون قوله:"فمنهم"مفيدا للتعليل والمعنى إنما أورثنا الكتاب بعض عبادنا وهم المصطفون لا جميع العباد لأن من عبادنا من هو ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق ولا يصلح الكل للوراثة.

ويمكن تأييد أول الاحتمالين بأن لا مانع من نسبة الوراثة إلى الكل مع قيام البعض بها حقيقة كما نجد نظيره في قوله تعالى:"و أورثنا بني إسرائيل الكتاب:"المؤمن: - 54.

وما في الآية من المقابلة بين الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات يعطي أن المراد بالظالم لنفسه من عليه شيء من السيئات وهو مسلم من أهل القرآن لكونه مصطفى ووارثا ، والمراد بالمقتصد المتوسط الذي هو في قصد السبيل وسواء الطريق والمراد بالسابق بالخيرات بإذن الله من سبق الظالم والمقتصد إلى درجات القرب فهو إمام غيره بإذن الله بسبب فعل الخيرات قال تعالى:"و السابقون السابقون أولئك المقربون:"الواقعة: - 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت