و قوله تعالى:"ذلك هو الفضل الكبير"أي ما تقدم من الإيراث هو الفضل الكبير من الله لا دخل للكسب فيه.
هذا ما يعطيه السياق وتفيده الأخبار من معنى الآية وفيها للقوم اختلاف عجيب فقد اختلف في"ثم"فقيل: هي للتراخي بحسب الأخبار ، وقيل: للتراخي الرتبي ، وقيل: للتراخي الزماني.
ثم العطف على"أوحينا"أو على"الذي أوحينا".
واختلف في"أورثنا"فقيل: هو على ظاهره ، وقيل: معناه حكمنا بإيراثه وقدرناه ، واختلف في الكتاب فقيل: المراد به القرآن ، وقيل: جنس الكتب السماوية ، واختلف في"الذين اصطفينا"فقيل: المراد بهم الأنبياء ، وقيل: بنو إسرائيل ، وقيل: أمة محمد ، وقيل: العلماء منهم ، وقيل: ذرية النبي من ولد فاطمة (عليها السلام) .
واختلف في"من عبادنا"فقيل: من للتبعيض أو للابتداء أو للتبيين ويختلف المراد من العباد بحسب اختلاف معنى"من"وكذا إضافة"عبادنا"للتشريف على بعض الوجوه ولغيره على بعضها.
واختلف في"فمنهم"فقيل: مرجع الضمير"الذين"وقيل:"عبادنا"واختلف في الظالم لنفسه والمقتصد والسابق فقيل الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه والمقتصد من استوى ظاهره وباطنه والسابق من كان باطنه خيرا من ظاهره ، وقيل: السابق هم السابقون الماضون في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أصحابه والمقتصد من تبع أثرهم ولحق بهم من الصحابة والظالم لنفسه غيرهم ، وقيل: الظالم من غلبت عليه السيئة والمقتصد المتوسط حالا والسابق هو المقرب إلى الله السابق في الدرجات.
وهناك أقوال متفرقة أخر تركنا إيرادها ولو ضربت الاحتمالات بعضها في بعض جاوز الألف.
قوله تعالى:"جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير"التحلية هي التزيين والأساور جمع أسورة وهي جمع سوار بكسر السين قال الراغب: سوار المرأة معرب وأصله دستواره.
انتهى.
وقوله:"جنات عدن"إلخ.
ظاهره أنه بيان للفضل الكبير قال في المجمع: هذا تفسير للفضل كأنه قيل: ما ذلك الفضل؟ فقال: هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات ويجوز أن يكون بدلا من الفضل كأنه قال: ذلك دخول جنات.
انتهى.
والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"و قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"قيل: المراد بالحزن الذي يحمدون الله على إذهابه بإدخالهم الجنة الحزن الذي كان يتوجه إليهم في الحياة الدنيا وما يحف بها من الشدائد والنوائب.
وقيل: المراد به الحزن الذي كان قد أحاط بهم بعد الارتحال من الدنيا ، وقيل الدخول في جنة الآخرة إشفاقا مما اكتسبوه من السيئات.
وعلى هذا فالقول قول الظالم لنفسه منهم أو قوله وقول المقتصد وأما السابق بالخيرات منهم فلا سيئة في صحيفة أعماله حتى يعذب بها.
وهذا الوجه أنسب لقولهم في آخر حمدهم:"إن ربنا لغفور شكور".
قوله تعالى:"الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب"المقامة الإقامة ، ودار المقامة المنزل الذي لا خروج منه ولا تحول.
والنصب بفتحتين التعب والمشقة ، واللغوب بضم اللام: العي والتعب في طلب المعاش وغيره.
والمعنى: الذي جعلنا حالين في دار الخلود من فضله من غير استحقاق منا عليه لا يمسنا في هذه الدار وهي الجنة مشقة وتعب ولا يمسنا فيها عي ولا كلال في طلب ما نريد أي إن لنا فيها ما نشاء.
وفي قوله:"من فضله"مناسبة خاصة مع قوله السابق:"ذلك هو الفضل الكبير".
قوله تعالى:"و الذين كفروا لهم نار جهنم"إلى آخر الآية اللام في"لهم"للاختصاص ويفيد كون النار جزاء لهم لا ينفك عنهم ، وقوله:"لا يقضى عليهم فيموتوا"أي لا يحكم عليهم بالموت حتى يموتوا فهم أحياء على ما هم فيه من شدة العذاب ولا يخفف عنهم من عذاب النار كذلك نجزي كل كفور شديد الكفران أو كثيره.
قوله تعالى:"و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا إلى آخر الآية في المجمع ،: الاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة افتعال من الصراخ انتهى."
وقوله:"ربنا أخرجنا"إلخ.
بيان لاصطراخهم ، وقوله:"أ ولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر"إلخ.
جواب اصطراخهم وقوله:"فذوقوا"وقوله:"فما للظالمين من نصير"كل منهما متفرع على ما قبله.