فهرس الكتاب

الصفحة 3477 من 4314

و الحب والبغض المنسوبان إلى الله سبحانه من صفات الأفعال وهي معان خارجة عن الذات غير قائمة بها ، ومعنى حبه تعالى لأحد انبساط رحمته عليه وانجذابها إليه وبغضه تعالى لأحد انقباض رحمته منه وابتعادها عنه.

قوله تعالى:"قل أ رأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله"إلى آخر الآية إضافة الشركاء إليهم بعناية أنهم يدعون أنهم شركاء لله فهي إضافة لامية مجازية.

وفي الآية تلقين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة على نفي ربوبية آلهتهم الذين كانوا يعبدونهم وتقرير الحجة أنهم لو كانوا أربابا آلهة من دون الله لكان لهم شيء من تدبير العالم فكانوا خالقين لما يدبرونه لأن الخلق والتدبير لا ينفك أحدهما عن الآخر ولو كانوا خالقين لدل عليه دليل والدليل إما من العالم أو من قبل الله سبحانه أما العالم فلا شيء منه يدل على كونه مخلوقا لهم ولو بنحو الشركة وهو قوله:"أروني ما ذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات".

وأما من قبله تعالى فلو كان لكان كتابا سماويا نازلا من عنده سبحانه يعترف بربوبيتهم ويجوز للناس أن يعبدوهم ويتخذوهم آلهة ، ولم ينزل كتاب على هذه الصفة وهم معترفون بذلك وهو قوله:"أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه".

وإنما عبر عن نفي خالقيتهم في الأرض بقوله:"أروني ما ذا خلقوا من الأرض"ولم يقل: أنبئوني أ لهم شرك في الأرض؟ وعبر في السماوات بقوله:"أم لهم شرك في السماوات"ولم يقل: أم ما ذا خلقوا من السماوات.

لأن المراد بالأرض - على ما يدل عليه سياق الاحتجاج - العالم الأرضي وهو الأرض بما فيها وما عليها والمراد بالسماوات العالم السماوي المشتمل على السماوات وما فيها وما عليها فقوله:"ما ذا خلقوا من الأرض"في معنى أ لهم شرك في الأرض ولا يكون إلا بخلق شيء منها ، وقوله:"أم لهم شرك في السماوات"في معنى أم ما ذا خلقوا من السماوات ، وقد اكتفى بذكر الخلق في جانب الأرض إشارة إلى أن الشرك في الربوبية لا يكون إلا بخلق.

وقوله:"أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه"أي بل آتيناهم كتابا فهم على بينة منه أي على حجة ظاهرة من الكتاب أن لشركائهم شركة معنا وذلك بدلالته على أنهم شركاء لله.

وقد قال:"أم آتيناهم كتابا"ولم يقل: أم لهم كتاب ونحو ذلك ليتأكد النفي والإنكار فإن قولنا: أم لهم كتاب ونحو ذلك إنكار لوجود الكتاب لكن قوله:"أم آتيناهم كتابا"إنكار لوجود الكتاب ممن ينزل الكتاب لو نزل.

وقد تبين بما تقدم أن ضمير الجمع في"آتيناهم"وفي"فهم على بينة"للمشركين فلا يعبأ بما قيل: إن الضميرين للشركاء.

وقوله:"بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا"إضراب عما تقدم من الاحتجاج بأن الذي حملهم على الشرك ليس هو حجة تحملهم عليه ويعتمدون عليها بل غرور بعضهم بعضا بوعد الشفاعة والزلفى فأسلافهم يغرون أخلافهم ورؤساؤهم وأئمتهم يغرون مرءوسيهم وتابعيهم ويعدونهم شفاعة الشركاء عند الله سبحانه ولا حقيقة لها.

وحجة الآية عامة على المشركين عبدة الأصنام وهم الذين يعبدون الملائكة والجن وقديسي البشر ويتخذون لهم أصناما يتوجهون إليها ، وعلى الذين يعبدون روحانيي الكواكب ويتوجهون إلى الكواكب ثم يتخذون للكواكب أصناما ، وعلى الذين يعبدون الملائكة والعناصر من غير أن يتخذوا لها أصناما كما ينقل عن الفرس القدماء ، وعلى الذين يعبدون بعض البشر كالنصارى للمسيح (عليه السلام) .

قوله تعالى:"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده"إلخ.

قيل: إن الآية استئناف مقرر لغاية قبح الشرك وهوله أي إن الله تعالى يحفظ السماوات والأرض كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا وتضمحلا لأن الممكن كما يحتاج إلى الواجب حال إيجاده يحتاج إليه حال بقائه.

انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت