فهرس الكتاب

الصفحة 3478 من 4314

و الظاهر أنه تعالى لما استدل على توحده في الربوبية يجعل الخلافة في النوع الإنساني بقوله:"هو الذي جعلكم خلائف في الأرض"الآية ثم نفى الشركة مطلقا بالحجة عمم الحجة بحيث تشمل الخلق كله أعني السماوات والأرض فاحتج على توحده بإبقاء الخلق بعد إحداثه فإن من البين الذي لا يرتاب فيه أن حدوث الشيء وأصل تلبسه بالوجود بعد العدم غير بقائه وتلبسه بالوجود بعد الوجود على نحو الاستمرار فبقاء الشيء بعد حدوثه يحتاج إلى إيجاد بعد إيجاد على نحو الاتصال والاستمرار.

وإبقاء الشيء بعد إحداثه كما أنه إيجاد بعد الإيجاد كذلك هو تدبير لأمره فإنك إن دققت النظر وجدت أن النظام الجاري في الكون إنما يجري بالإحداث والإبقاء فقط.

والموجد والخالق هو الله سبحانه حتى عند الخصم فالله سبحانه هو الخالق المدبر للسماوات والأرض وحده لا شريك له.

فقوله:"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا"الإمساك بمعناه المعروف وقوله:"أن تزولا"- وتقديره كراهة أن تزولا أو لئلا تزولا - متعلق به ، وقيل: الإمساك بمعنى المنع أو بمعنى الحفظ وعلى أي حال فالإمساك كناية عن الإبقاء وهو الإيجاد بعد الإيجاد على سبيل الاتصال والاستمرار ، والزوال هو الاضمحلال والبطلان.

ونقل عن بعضهم أنه فسر الزوال بالانتقال المكاني ، والمعنى أن الله يمنع السماوات والأرض من أن ينتقل شيء منهما عن مكانه الذي استقر فيه فيرتفع أو ينخفض انتهى والشأن في تصور مراده تصورا صحيحا.

وقوله:"و لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده"السياق يعطي أن المراد بالزوال هاهنا الإشراف على الزوال إذ نفس الزوال لا يجتمع معه الإمساك والمعنى وأقسم لئن أشرفتا على الزوال لم يمسكهما أحد من بعد الله سبحانه إذ لا مفيض للوجود غيره ويمكن أن يكون المراد بالزوال معناه الحقيقي والمراد بالإمساك القدرة على الإمساك وقد تبين أن"من"الأولى زائدة للتأكيد والثانية للابتداء ، وضمير"من بعده"راجع إليه تعالى ، وقيل: راجع إلى الزوال.

وقوله:"إنه كان حليما غفورا"فهو لحلمه لا يعجل إلى أمر ولمغفرة يستر جهات العدم في الأشياء ، ومقتضى الاسمين أن يمسك السماوات والأرض أن تزولا إلى أجل مسمى.

وقال في إرشاد العقل السليم ،: إنه كان حليما غفورا غير معاجل بالعقوبة التي تستوجبها جناياتهم حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا حسبما قال تعالى:"تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض"انتهى.

قوله تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا"قال الراغب: الجهد - بفتح الجيم - والجهد - بضمها - الطاقة والمشقة - إلى أن قال - وقال تعالى:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم"أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم.

انتهى.

وقال: النفر الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع إلى الشيء وعن الشيء يقال: نفر عن الشيء نفورا قال تعالى:"ما زادهم إلا نفورا"انتهى.

قيل 1: بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم انتهى ، وسياق الآية يصدق هذا النقل ويؤيده.

فقوله:"و أقسموا بالله جهد أيمانهم"الضمير لقريش وقد حلفوا هذا الحلف قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بدليل قوله بعد:"فلما جاءهم نذير"، والمقسم به قوله:"لئن جاءهم نذير"إلخ.

وقوله:"لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم"أي إحدى الأمم التي جاءهم نذير كاليهود والنصارى وإنما قال:"ليكونن أهدى من إحدى الأمم"ولم يقل: أهدى منهم لأن المعنى أنهم كانوا أمة ما جاءهم نذير ثم لو جاءهم نذير كانوا أمة ذات نذير كإحدى تلك الأمم المنذرة ثم بتصديق النذير يصيرون أهدى من التي ماثلوها وهو قوله:"أهدى من إحدى الأمم"فافهمه.

وقيل: إن مقتضى المقام العموم ، وقوله:"إحدى الأمم"عام وإن كان نكرة في سياق الإثبات واللام في"الأمم"للعهد ، والمعنى ليكونن أهدى من كل واحدة من تلك الأمم التي كذبوا رسلهم من اليهود والنصارى وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت