و قيل: المعنى ليكونن أهدى من أمة يقال فيها: إحدى الأمم تفضيلا لها على غيرها من الأمم كما يقال: هو واحد القوم وواحد عصره.
انتهى.
ولا يخلو الوجه الأخير عن تكلف وبعد.
وقوله:"فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا"المراد بالنذير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والنفور التباعد والهرب.
قوله تعالى:"استكبارا في الأرض ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله"قال الراغب: المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة ، وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل وعلى ذلك قال تعالى:"و الله خير الماكرين"ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال تعالى:"لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله"انتهى.
وقال أيضا: قال عز وجل:"و لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله"أي لا ينزل ولا يصيب.
قيل: وأصله حق فقلب نحو زل وزال وقد قرىء فأزلهما الشيطان وأزالهما وعلى هذا ذمه وذامه.
انتهى.
وقوله:"استكبارا في الأرض"مفعول لأجله لقوله:"نفورا"أي نفروا عنه وتباعدوا للاستكبار في الأرض وقوله:"و مكر السيىء"معطوف على"استكبارا"ومفعول لأجله مثله ، وقيل: معطوف على"نفورا"والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة بدليل قوله ثانيا:"و لا يحيق المكر السيىء"إلخ.
وقوله:"و لا يحيق المكر السيىء إلا بأهله"أي لا يصيب ولا ينزل المكر السيىء إلا بأهله ولا يستقر إلا فيه ، فإن المكر السيىء وإن كان ربما أصاب به مكروه للممكور به ، لكنه سيزول ولا يدوم إلا أن أثره السيىء بما أنه المكر سيىء يبقى في نفس الماكر وسيظهر فيه ويجزى به إما في الدنيا وإما في الآخرة البتة ، ولهذا فسر الآية في مجمع البيان ، بقوله: والمعنى لا ينزل جزاء المكر السيىء إلا بمن فعله.
والكلام مرسل إرسال المثل كقوله تعالى:"إنما بغيكم على أنفسكم:"يونس: - 23"فمن نكث فإنما ينكث على نفسه:"الفتح: - 10.
وقوله:"فهل ينظرون إلا سنة الأولين"النظر والانتظار بمعنى التوقع والفاء للتفريع والجملة استنتاج مما تقدمها والاستفهام للإنكار والمعنى وإذ مكروا المكر السيىء والمكر السيىء يحيق بأهله فهم لا ينتظرون إلا السنة الجارية في الأمم الماضين وهي العذاب الإلهي النازل بهم إثر مكرهم وتكذيبهم بآيات الله.
وقوله:"فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا"تبديل السنة أن توضع العافية والنعمة موضع العذاب ، وتحويلها أن ينقل العذاب من قوم يستحقونه إلى غيرهم ، وسنة الله لا تقبل تبديلا ولا تحويلا لأنه تعالى على صراط مستقيم لا يقبل حكمه تبعيضا ولا استثناء.
وقد أخذ الله بالعذاب هؤلاء المشركين الماكرين يوم بدر فقتل عامتهم.
والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لكل سامع.
قوله تعالى:"أ ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة"استشهاد على سنته الجارية في الأمم الماضية وقد كانوا أشد قوة من مشركي مكة فأخذهم الله بالعذاب لما مكروا وكذبوا.
قوله تعالى:"و ما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا"تتميم لسابق البيان لمزيد إنذارهم وتخويفهم ، والمحصل ليتقوا الله وليؤمنوا به ولا يمكروا به ولا يكذبوا فإن سنة الله في ذلك هي العذاب كما يشهد به ما جرى في الأمم السابقة من الإهلاك والتعذيب وقد كانوا أشد قوة منهم والله سبحانه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض بقوة أو مكر فإنه عليم على الإطلاق لا يغفل ولا يجهل حتى ينخدع بمكر أو حيلة قدير على الإطلاق لا يقاومه شيء.
قوله تعالى:"و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة"إلخ.
المراد بالمؤاخذة المؤاخذة الدنيوية كما يدل عليه قوله الآتي:"و لكن يؤخرهم إلى أجل مسمى"إلخ.
والمراد بالناس جميعهم فإن الآية مسبوقة بذكر مؤاخذة بعضهم وهم الماكرون المكذبون بآيات الله ، والمراد بما كسبوا المعاصي التي اكتسبوها بقرينة المؤاخذة التي هي العذاب وقد قال في نظيره الآية من سورة النحل:"و لو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة:"النحل: - 61.
والمراد بظهرها ظهر الأرض لأن الناس يعيشون عليه على أن الأرض تقدم ذكرها في الآية السابقة.