فهرس الكتاب

الصفحة 3489 من 4314

و إذ كان الإيمان به تعالى وعبادته هكذا أمرا لا يناله عامة الناس فإن الأكثرين منهم إنما يعبدون خوفا أو طمعا أو لكليهما التفت الرجل بعد بيان حال نفسه إلى القوم فقال:"و إليه ترجعون"يريد به إنذارهم بيوم الرجوع وأنه تعالى سيحاسبهم على ما عملوا فيجازيهم بمساوىء أعمالهم فقوله:"و إليه ترجعون"كالمعترضة الخارجة عن السياق أو هي هي.

ثم إن الآيتين حجتان قائمتان على إبطال ما احتج به الوثنية وبنوا على ذلك عبادة الأصنام وأربابها.

توضيح ذلك أنهم قالوا: إن الله سبحانه أجل من أن يحيط به حس أو خيال أو عقل لا يناله شيء من القوى الإدراكية فلا يمكن التوجه إليه بالعبادة فسبيل العبادة أن نتوجه إلى مقربي حضرته والأقوياء من خلقه كالملائكة الكرام والجن والقديسين من البشر حتى يكونوا شفعاء لنا عند الله في إيصال الخيرات ودفع الشرور والمكاره.

والجواب عن أولى الحجتين بما حاصله أن الإنسان وإن كان لا يحيط علما بالذات المتعالية لكنه يعرفه تعالى بصفاته الخاصة به مثل كونه فاطرا له موجدا إياه فله أن يتوجه إليه من طريق هذه الصفات وإنكار إمكانه مكابرة ، وهذا الجواب هو الذي أشار إليه بقوله:"و ما لي لا أعبد الذي فطرني".

وعن الثانية أن هؤلاء الآلهة إن كانت لهم شفاعة كانت مما أفاضه الله عليهم والله سبحانه لا يعطيهم ذلك إلا فيما لا تتعلق به منه إرادة حاتمة ولازمه أن شفاعتهم فيما أذن الله لهم فيه كما قال:"ما من شفيع إلا من بعد إذنه:"يونس: - 3 أما إذا أراد الله شيئا إرادة حتم فلا تنفع شفاعتهم شيئا في المنع عن نفوذها فاتخاذهم آلهة وعدمه سواء في عدم التأثير لجلب خير أو دفع شر ، وإلى ذلك أشار بقوله:"ء أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون".

وتعبيره عنه تعالى بالرحمن إشارة إلى سعة رحمته وكثرتها وأن النعم كلها من عنده وتدبير الخير والشر إليه ويتحصل من هنا برهان آخر على وحدانيته تعالى في الربوبية ، إذ لما كان جميع النعم وكذا النظام الجاري فيها ، من رحمته وقائمة به من غير استقلال في شيء منها كان المستقل بالتدبير هو تعالى حتى أن تدبير الملائكة لو فرض تدبيرهم لشيء من رحمته وتدبيره تعالى وكانت الربوبية له تعالى وحده وكذا الألوهية.

قوله تعالى:"إني إذا لفي ضلال مبين"تسجيل للضلال على اتخاذ الآلهة.

قوله تعالى:"إني آمنت بربكم فاسمعون"من كلام الرجل خطابا للرسل وقوله:"فاسمعون"كناية عن الشهادة بالتحمل ، وقوله:"إني آمنت بربكم"إلخ.

تجديد الشهادة بالحق وتأكيد للإيمان فإن ظاهر السياق أنه إنما قال:"إني آمنت بربكم"بعد محاجته خطابا للرسل ليستشهدهم على إيمانه وليؤيدهم بإيمانهم بمرأى من القوم ومسمع.

وقيل: إنه خطاب للقوم تأييدا للرسل ، والمعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني فإني لا أبالي بما يكون منكم على ذلك أو المعنى إني آمنت بالله فاسمعوا مني وآمنوا به أو أنه أراد به أن يغضبهم ويشغلهم عن الرسل بنفسه حيث إنه رأى أنهم بصدد الإيقاع بهم.

هذا.

وفيه أنه لا يلائمه التعبير عن الله سبحانه بقوله:"ربكم"فإن القوم ما كانوا يتخذونه تعالى ربا لهم وإنما كانوا يعبدون الأرباب من دون الله سبحانه.

ورد بأن المعنى إني آمنت بربكم الذي قامت الحجة على ربوبيته لكم وهو الله سبحانه.

وفيه أنه تقييد من غير مقيد.

قوله تعالى:"قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين"الخطاب للرجل وهو - كما يفيده السياق - يلوح إلى أن القوم قتلوه فنودي من ساحة العزة أن ادخل الجنة كما يؤيده قوله بعد:"و ما أنزلنا على قومه من بعده"إلخ فوضع قوله:"قيل ادخل الجنة موضع الإخبار عن قتلهم إياه إشارة إلى أنه لم يكن بين قتله بأيديهم وبين أمره بدخول الجنة أي فصل وانفكاك كأن قتله بأيديهم هو أمره بدخول الجنة."

والمراد بالجنة على هذا جنة البرزخ دون جنة الآخرة ، وقول بعضهم: إن المراد بها جنة الآخرة والمعنى سيقال له: ادخل الجنة يوم القيامة والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تحكم من غير دليل كما قيل: إن الله رفعه إلى السماء فقيل له ادخل الجنة فهو حي يتنعم فيها إلى قيام الساعة ، وهو تحكم كسابقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت