و قيل: إن القائل:"ادخل الجنة"هو القوم قالوا له ذاك حين قتله استهزاء وفيه أنه لا يلائم ما أخبر الله سبحانه عنه بقوله بعد:"قال يا ليت قومي يعلمون"إلخ فإن ظاهره أنه تمنى علم قومه بما هو فيه بعد استماع نداء"ادخل الجنة"ولم يسبق من الكلام ما يصح أن يبتني عليه قوله ذاك.
وقوله:"قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين"استئناف كسابقه كالجواب عن سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد تأييده للرسل؟ فقيل:"قيل ادخل الجنة"ثم قيل: فما ذا كان بعد؟ فقيل:"قال يا ليت قومي يعلمون"إلخ وهو نصح منه لقوله ميتا كما كان ينصحهم حيا.
و"ما"في قوله:"بما غفر لي"إلخ مصدرية ، وقوله:"و جعلني"عطف على"غفر"والمعنى بمغفرة ربي لي وجعله إياي من المكرمين.
وموهبة الإكرام وإن كانت وسيعة ينالها كثيرون كالإكرام بالنعمة كما في قوله:"فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن:"الفجر: - 15 ، وقوله:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم:"الحجرات: - 13 فإن كرامة العبد عند الله إكرام منه له لكنه لم يعد من المكرمين بوصف الإطلاق إلا طائفتين من خلقه: الملائكة الكرام كما في قوله:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون:"الأنبياء: - 27 ، والكاملين في إيمانهم من المؤمنين سواء كانوا من المخلصين بكسر اللام كما في قوله:"أولئك في جنات مكرمون:"المعارج: - 35 ، أو من المخلصين بفتح اللام كما في قوله:"إلا عباد الله المخلصين - إلى أن قال - وهم مكرمون:"الصافات: - 42.
والآية من أدلة وجود البرزخ.
قوله تعالى:"و ما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين"الضميران للرجل ، و"من بعده"أي من بعد قتله ، و"من"الأولى والثالثة لابتداء الغاية ، والثانية مزيدة لتأكيد النفي.
والآية توطئة للآية التالية ، وهي مسوقة لبيان هوان أمر القوم والانتقام منهم بإهلاكهم على الله سبحانه وأنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى عدة وعدة حتى ينزل من السماء جندا من الملائكة يقاتلونهم فيهلكونهم فلم يفعل ذلك فيهم ولا فعل ذلك في إهلاك من أهلك من الأمم الماضين وإنما أهلكهم بصيحة واحدة تقضي عليهم.
قوله تعالى:"إن كانت إلا صيحة واحدة ، فإذا هم خامدون"أي ما كان الأمر الذي كان سبب إهلاكهم بمشيتنا إلا صيحة واحدة ، وتأنيث الفعل لتأنيث الخبر وتنكير"صيحة"وتوصيفها بالوحدة للاستحقار ، والخمود السكون واستئناف الجملة لكونها كالجواب لسؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان سبب إهلاكهم؟ فقيل: إن كانت إلا صيحة واحدة.
والمعنى: كان سبب هلاكهم أيسر أمر وهي صيحة واحدة ففاجأهم السكون فصاروا ساكنين لا يسمع لهم حس وهم عن آخرهم موتى لا يتحركون.
قوله تعالى:"يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون"أي يا ندامة العباد ونداء الحسرة عليهم أبلغ من إثباتها لهم ، وسبب الحسرة ما يتضمنه قوله:"ما يأتيهم من رسول"إلخ.
ومن هذا السياق يستفاد أن المراد بالعباد عامة الناس وتتأكد الحسرة بكونهم عبادا فإن رد العبد دعوة مولاه وتمرده عنه أشنع من رد غيره نصيحة الناصح.
وبذلك يظهر سخافة قول من قال: إن المراد بالعباد الرسل أو الملائكة أو هما جميعا.
وكذا قول من قال: إن المراد بالعباد الناس لكن المتحسر هو الرجل.
وظهر أيضا أن قوله:"يا حسرة على العباد"إلخ من قول الله تعالى لا من تمام قول الرجل.
قوله تعالى:"أ لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون"توبيخ لأولئك الذين نودي عليهم بالحسرة ، و"من القرون"بيان لكم ، والقرون جمع قرن وهو أهل عصر واحد.
وقوله:"إنهم إليهم لا يرجعون"بيان لقوله:"كم أهلكنا قبلهم من القرون"ضمير الجمع الأول للقرون والثاني والثالث للعباد.
والمعنى: أ لم يعتبروا بكثرة المهلكين بأمر الله من القرون الماضية وأنهم مأخوذون بأخذ إلهي لا يتمكنون من الرجوع إلى ما كانوا يترفون فيه؟ وللقوم في مراجع الضمائر وفي معنى الآية أقوال أخر بعيدة عن الفهم تركنا إيرادها.