فهرس الكتاب

الصفحة 3496 من 4314

و من هنا لا يبعد أن يقال في قوله تعالى:"و الشمس تجري لمستقر لها"إن المراد بقوله:"تجري"الإشارة إلى ما يعطيه ظاهر الحس من حركتها اليومية والفصلية والسنوية وهي حالها بالنسبة إلينا ، وبقوله:"لمستقر لها"حالها في نفسها وهي سكونها بالنسبة إلى سياراتها المتحركة حولها كأنه قيل: وآية لهم أن الشمس على استقرارها تجري عليهم وقد دبر العزيز العليم بذلك كينونة العالم الأرضي وحياة أهله والله أعلم.

قوله تعالى:"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون"لفظة ينبغي تدل على الترجح ونفي ترجح الإدراك من الشمس نفي وقوعه منها ، والمراد به أن التدبير ليس مما يجري يوما ويقف آخر بل هو تدبير دائم غير مختل ولا منقوض حتى ينقضي الأجل المضروب منه تعالى لذلك.

فالمعنى أن الشمس والقمر ملازمان لما خط لهما من المسير فلا تدرك الشمس القمر حتى يختل بذلك التدبير المعمول بهما ولا الليل سابق النهار وهما متعاقبان في التدبير فيتقدم الليل والنهار فيجتمع ليلتان ثم نهاران بل يتعاقبان.

ولم يتعرض لنفي إدراك القمر للشمس ولا لنفي سبق النهار الليل لأن المقام مقام بيان انحفاظ النظم الإلهي عن الاختلال والفساد فنفى إدراك ما هو أعظم وأقوى وهو الشمس لما هو أصغر وأضعف وهو القمر ، ويعلم منه حال العكس ونفى سبق الليل الذي هو افتقاده للنهار الذي هو ليله والليل مضاف إليه متأخر طبعا منه ويعلم به حال العكس.

وقوله:"و كل في فلك يسبحون"أي كل من الشمس والقمر وغيرهما من النجوم والكواكب يجرون في مجرى خاص به كما تسبح السمكة في الماء فالفلك هو المدار الفضائي الذي يتحرك فيه الجرم العلوي ، ولا يبعد حينئذ أن يكون المراد بالكل كل من الشمس والقمر والليل والنهار وإن كان لا يوجد في كلامه تعالى ما يشهد على ذلك.

والإتيان بضمير الجمع الخاص بالعقلاء في قوله"يسبحون"لعله للإشارة إلى كونها مطاوعة لمشيته مطيعة لأمره تعالى كالعقلاء كما في قوله:"ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين:"حم السجدة: - 11.

وللمفسرين في جمل الآية آراء أخر مضطربة أضربنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع المفصلات.

قوله تعالى:"و آية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون"قال الراغب: الذرية أصلها الصغار من الأولاد ، وتقع في التعارف على الصغار والكبار معا ، ويستعمل للواحد والجمع وأصله للجمع.

انتهى ، والفلك السفينة ، والمشحون المملوء.

آية أخرى من آيات ربوبيته تعالى وهو جريان تدبيره في البحر حيث يحمل ذريتهم في الفلك المشحون بهم وبأمتعتهم يجوزون به من جانب إلى جانب للتجارة وغيرها ، ولا حامل لهم فيه ولا حافظ لهم عن الغرق إلا هو تعالى والخواص التي يستفيدون منها في ركوب البحر أمور مسخرة له تعالى منتهية إلى خلقه على أن هذه الأسباب لو لم تنته إليه تعالى لم تغن طائلا.

وإنما نسبت الحمل إلى الذرية دونهم أنفسهم فلم يقل: أنا حملناهم لإثارة الشفقة والرحمة.

قوله تعالى:"و خلقنا لهم من مثله ما يركبون"المراد به - على ما فسروه - الأنعام قال تعالى:"و جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون:"الزخرف: - 12 وقال:"و عليها وعلى الفلك تحملون:"المؤمن - 80.

وفسر بعضهم الفلك المذكور في الآية السابقة بسفينة نوح (عليه السلام) وما في هذه الآية بالسفن والزوارق المعمولة بعدها وهو تفسير رديء ومثله تفسير ما في هذه الآية بالإبل خاصة.

وربما فسر ما في هذه الآية بالطيارات والسفن الجوية المعمولة في هذه الأعصار والتعميم أولى.

قوله تعالى:"و إن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون"الصريخ هو الذي يجيب الصراخ ويغيث ، الاستغاثة والإنقاذ هو الإنجاء من الغرق.

والآية متصلة بقوله السابق:"أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون"أي إن الأمر إلى مشيتنا فإن نشأ نغرقهم فلا يغيثهم مغيث ولا ينقذهم منقذ.

قوله تعالى:"إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين"استثناء مفرغ والتقدير لا ينجون بسبب من الأسباب وأمر من الأمور إلا لرحمة منا تنالهم ولتمتع إلى حين الأجل المسمى الذي قدرناه لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت