و قولهم: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا مبني على إنكارهم البعث وهم في الدنيا ورسوخ أثر الإنكار والغفلة عن يوم الجزاء في نفوسهم وهم لا يزالون مستغرقين في الأهواء فإذا قاموا من قبورهم مسرعين إلى المحشر فاجأهم الورود في عالم لا يستقبلهم فيه إلا توقع الشر فأخذهم الفزع الأكبر والدهشة التي لا تقوم لها الجبال ولذا يتبادرون أولا إلى دعوة الويل والهلاك كما كان ذلك دأبهم في الدنيا عند الوقوع في المخاطر ثم سألوا عمن بعثهم من مرقدهم لأن الذي أحاط بهم من الدهشة أذهلهم من كل شيء.
ثم ذكروا ما كانت الرسل (عليهم السلام) يذكرونهم به من الوعد الحق بالبعث والجزاء فشهدوا بحقية الوعد واستعصموا بالرحمة فقالوا:"هذا ما وعد الرحمن"على ما هو دأبهم في الدنيا حيث يكيدون عدوهم إذا ظهر عليهم بالتملق وإظهار الذلة والاعتراف بالظلم والتقصير ثم صدقوا الرسل بقولهم:"و صدق المرسلون".
وبما تقدم ظهر أولا وجه دعوتهم بالويل إذا بعثوا.
وثانيا وجه سؤالهم عمن بعثهم من مرقدهم الظاهر في أنهم جاهلون به أولا ثم إقرارهم بأنه الذي وعده الرحمن وتصديقهم المرسلين فيما بلغوا عنه تعالى.
ويظهر أيضا أن قوله:"من بعثنا من مرقدنا"إلخ وقوله:"هذا ما وعد الرحمن"إلخ.
من قولهم.
وقيل: قوله:"و صدق المرسلون"عطف على مدخول"ما"و"ما"موصولة أو مصدرية و"هذا ما وعد الرحمن"إلخ جواب من الله أو من الملائكة أو من المؤمنين لقولهم:"من بعثنا من مرقدنا"؟.
وغير خفي أنه خلاف الظاهر وخاصة على تقدير كون"ما"مصدرية ولو كان قوله:"هذا ما وعد الرحمن"إلخ.
جوابا من الله أو الملائكة لقولهم:"من بعثنا من مرقدنا"لأجيب بالفاعل دون الفعل لأنهم سألوا عن فاعل البعث! وما قيل: إن العدول إليه لتذكير كفرهم وتقريعهم عليه مع تضمنه الإشارة إلى الفاعل هذا.
لا يغني طائلا.
وظهر أيضا أن قوله:"هذا ما وعد الرحمن"مبتدأ وخبر ، وقيل"هذا"صفة لمرقدنا بتأويل اسم الإشارة إلى المشتق و"ما"مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق وهو بعيد عن الفهم.
قوله تعالى:"إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون"اسم كان محذوف والتقدير إن كانت الفعلة أو النفخة إلا نفخة واحدة تفاجئهم أنهم مجموع محضرون لدينا من غير تأخير ومهلة.
والتعبير بقوله:"لدينا"لأن اليوم يوم الحضور لفصل القضاء عند الله سبحانه.
قوله تعالى:"فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون"أي في هذا اليوم يقضي بينهم قضاء عدلا ويحكم حكما حقا فلا تظلم نفس شيئا.
وقوله:"و لا تجزون إلا ما كنتم تعملون"عطف تفسير لقوله: فاليوم لا تظلم نفس شيئا"وهو في الحقيقة بيان برهاني لانتفاء الظلم يومئذ لدلالته على أن جزاء أعمال العاملين يومئذ نفس أعمالهم ، ولا يتصور مع ذلك ظلم لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه وتحميل العامل عمله وضع الشيء في موضعه ضرورة."
وخطاب الآية من باب تمثيل يوم القيامة وإحضاره وإحضار من فيه بحسب العناية الكلامية ، وليس - كما توهم - حكاية عما سيقال لهم أو يخاطبون به من جانب الله سبحانه أو الملائكة أو المؤمنين يوم القيامة فلا موجب له من جهة السياق.
والمخاطب بقوله:"و لا تجزون إلا ما كنتم تعملون"السعداء والأشقياء جميعا.
وما قيل عليه أن الحصر يأبى التعميم فإنه تعالى يوفي المؤمنين أجورهم ويزيدهم من فضله أضعافا مضاعفة مدفوع بأن الحصر في الآية نازل إلى جزاء العمل وأجره وما يدل من الآيات على المزيد كقوله:"لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد:"ق: - 35 أمر وراء الجزاء والأجر خارج عن طور العمل.
وربما أجيب عنه بأن معنى الآية أن الصالح لا ينقص ثوابه والطالح لا يزاد عقابه فإن الحكمة تنافيه أما زيادة الثواب ونقض العقاب فلا مانع منه أو أن المراد بقوله:"لا تجزون إلا ما كنتم تعملون"أنكم لا تجزون إلا من جنس عملكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وفيه أن مدلول الآية لو كان ما ذكر اندفع الإشكال لكن الشأن في دلالتها على ذلك.
قوله تعالى:"إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون"الشغل الشأن الذي يشغل الإنسان ويصرفه عما عداه ، والفاكه من الفكاهة وهي التحدث بما يسر أو التمتع والتلذذ ولا فعل له من الثلاثي المجرد على ما قيل.