فهرس الكتاب

الصفحة 3506 من 4314

و معنى الآيات الثلاث: أ ولم يعلموا أنا خلقنا لأجلهم ولتدبير أمر حياتهم الدنيا أنعاما من الإبل والبقر والغنم فتفرع على ذلك أنهم مالكون لها ملكا يصحح لهم أنواع تصرفاتهم فيها من غير معارض ، وذللناها لهم بجعلها مسخرة لهم منقادة غير عاصية فمنها ركوبهم الذي يركبونه ، ومنها أي من لحومها يأكلون ، ولهم فيها منافع ينتفعون بأشعارها وأوبارها وجلودها ومشروبات من ألبانها يشربونها أ فلا يشكرون الله على هذا التدبير الكامل الذي يكشف عن ربوبيته لهم؟ أ ولا يعبدونه شكرا لأنعمه؟.

قوله تعالى:"و اتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون"ضمائر الجمع للمشركين ، والمراد بالآلهة الأصنام أو الشياطين وفراعنة البشر دون الملائكة المقربين والأولياء من الإنسان لعدم ملاءمة ذيل الكلام:"و هم لهم جند محضرون"لذلك.

وإنما اتخذوهم آلهة رجاء أن ينصروا من ناحيتهم لأن عامتهم تتخذ إلها زعما منهم أن تدبير أمره مفوض إلى من اتخذه إلها من خير أو شر فيعبده العابد منهم ليرضيه بعبادته فلا يسخط فيقطع النعمة أو يرسل النقمة.

قوله تعالى:"لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون"أي لا يستطيع هؤلاء الآلهة الذين اتخذوهم آلهة نصر هؤلاء المشركين لأنهم لا يملكون شيئا من خير أو شر.

وقوله:"و هم لهم جند محضرون"الظاهر أن أول الضميرين للمشركين وثانيهما للآلهة من دون الله والمراد أن المشركين جند للآلهة وذلك أن من لوازم معنى الجندية التبعية والملازمة والمشركون هم المعدودون أتباعا لآلهتهم مطيعين لهم دون العكس.

والمراد بالإحضار في قوله:"محضرون"الإحضار للجزاء يوم القيامة قال تعالى:"و جعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون:"الصافات: - 158 وقال:"و لو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين:"الصافات: - 57.

ومحصل المعنى لا يستطيع الآلهة المتخذون نصر المشركين وهم أي المشركون لهم أي لآلهتهم أتباع مطيعون محضرون معهم يوم القيامة.

وأما قول القائل: إن المعنى أن المشركين جند لآلهتهم معدون للذب عنهم في الدنيا ، أو إن المعنى وهم أي الآلهة لهم أي للمشركين جند محضرون لعذاب المشركين يوم القيامة لأنهم وقود النار التي يعذب بها المشركون ، أو محضرون لعذابهم إظهارا لعجزهم عن النصر أو لإقناط المشركين عن شفاعتهم فهي معان رديئة.

قوله تعالى:"فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون"الفاء لتفريع النهي عن الحزن على حقيقة اتخاذهم الآلهة من دون الله رجاء للنصر أي إذا كان هذا حقيقة حالهم أن الذين استنصروهم لا يستطيعون نصرهم أبدا وأنهم سيحضرون معهم للعذاب فلا يحزنك قولهم ما قالوا به من الشرك فإنا لسنا بغافلين عنهم حتى يعجزونا أو يفسدوا علينا بعض الأمر بل نعلم ما يسرون من أقوالهم وما يعلنون ، وفي تركيب الآية بعض أقوال رديئة أضربنا عنه.

قوله تعالى:"أ ولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين"رجوع إلى ما تقدم من حديث البعث والاحتجاج عليه إثر إنكارهم ، ولا يبعد أن يكون بيانا تفصيليا لقولهم المشار إليه في قوله تعالى:"فلا يحزنك قولهم"إلخ والمراد بالرؤية العلم القطعي أي أ ولم يعلم الإنسان علما قاطعا أنا خلقناه من نطفة ، وتنكير نطفة للتحقير والخصيم المصر على خصومته وجداله.

والاستفهام للتعجب والمعنى من العجيب أن الإنسان يعلم أنا خلقناه من نطفة مهينة فيفاجئه أنه خصيم مجادل مبين.

قوله تعالى:"و ضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم"الرميم البالي من العظام ، و"نسي خلقه"حال من فاعل ضرب ، وقوله:"قال من يحيي العظام وهي رميم"بيان للمثل الذي ضربه الإنسان ، ولذلك جيء به مفصولا من غير عطف لأن الكلام في معنى أن يقال: فما ذا ضرب مثلا؟ فقيل قال من يحيي العظام وهي رميم.

والمعنى وضرب الإنسان لنا مثلا وقد نسي خلقه من نطفة لأول مرة ، ولو كان ذاكره لم يضرب المثل الذي ضربه وهو قوله:"من يحيي العظام وهي بالية؟"لأنه كان يرد على نفسه ويجيب عن المثل الذي ضربه بخلقه الأول كما لقنه الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) جوابا عنه.

قوله تعالى:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم"تلقين الجواب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت