فهرس الكتاب

الصفحة 3507 من 4314

الإنشاء هو الإيجاد الابتدائي وتقييده بقوله""أول مرة"للتأكيد ، وقوله:"و هو بكل خلق عليم"إشارة إلى أنه تعالى لا ينسى ولا يجهل شيئا من خلقه فإذا كان هو خالق هذه العظام لأول مرة وهو لا يجهل شيئا مما كانت عليه قبل الموت وبعده فإحياؤه ثانيا بمكان من الإمكان لثبوت القدرة وانتفاء الجهل والنسيان."

قوله تعالى:"الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون"بيان لقوله:"الذي أنشأها أول مرة"والإيقاد إشعال النار.

والآية مسوقة لرفع استبعاد جعل الشيء الموات شيئا ذا حياة والحياة والموت متنافيان والجواب أنه لا استبعاد فيه فإنه هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر الذي يقطر ماء نارا فإذا أنتم منه توقدون وتشعلون النار ، والمراد به على المشهور بين المفسرين شجر 1 المرخ والعفار كانوا يأخذون منهما على خضرتهما فيجعل العفار زندا أسفل ويجعل المرخ زندا أعلى فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله فحصول الحي من الميت ليس بأعجب من انقداح النار من الشجرة الخضراء وهما متضادان.

قوله تعالى:"أ وليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم"الاستفهام للإنكار والآية بيان للحجة السابقة المذكورة في قوله:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة"إلخ.

ببيان أقرب إلى الذهن وذلك بتبديل إنشائهم أول مرة من خلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الإنسان كما قال تعالى:"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس:"المؤمن: - 57.

فالآية في معنى قولنا: وكيف يمكن أن يقال: إن الله الذي خلق عوالم السماوات والأرض بما فيها من سعة الخلقة البديعة وعجيب النظام العام المتضمن لما لا يحصى من الأنظمة الجزئية المدهشة للعقول المحيرة للألباب والعالم الإنساني جزء يسير منها ، لا يقدر أن يخلق مثل هؤلاء الناس ، بلى وإنه خلاق عليم.

والمراد بمثلهم قيل: هم وأمثالهم وفيه أنه مغاير لمعنى مثل على ما يعرف من اللغة والعرف.

وقيل: المراد بمثلهم هم أنفسهم بنحو الكناية على حد قولهم: مثلك غني عن كذا أي أنت غني عنه ، وفيه أنه لو كان كناية لصح التصريح به لكن لا وجه لقولنا: أ وليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلقهم فإن الكلام في بعثهم لا في خلقهم والمشركون معترفون بأن خالقهم هو الله سبحانه.

وقيل: ضمير"مثلهم"للسماوات والأرض فإنهما تشملان ما فيهما من العقلاء فأعيد إليهما ضمير العقلاء تغليبا فالمراد أن الله الخالق للعالم قادر على خلق مثله.

وفيه أن المقام مقام إثبات بعث الإنسان لا بعث السماوات والأرض.

على أن الكلام في الإعادة وخلق مثل الشيء ليس إعادة لعينه بل بالضرورة.

فالحق أن يقال: إن المراد بخلق مثلهم إعادتهم للجزاء بعد الموت كما يستفاد من كلام الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان ، .

بيانه أن الإنسان مركب من نفس وبدن ، والبدن في هذه النشأة في معرض التحلل والتبدل دائما فهو لا يزال يتغير أجزاؤه والمركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه فهو في كل آن غيره في الآن السابق بشخصه وشخصية الإنسان محفوظة بنفسه - روحه - المجردة المنزهة عن المادة والتغيرات الطارئة من قبلها المأمونة من الموت والفساد.

والمتحصل من كلامه تعالى أن النفس لا تموت بموت البدن وأنها محفوظة حتى ترجع إلى الله سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى:"و قالوا أ إذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون:"الم السجدة: - 11.

فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق كان عينه لا مثله لأن الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت