و لما كان استبعاد المشركين في قولهم:"من يحيي العظام وهي رميم"راجعا إلى خلق البدن الجديد دون النفس أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق مثلهم وأما عودهم بأعيانهم فهو إنما يتم بتعلق النفوس والأرواح المحفوظة عند الله بالأبدان المخلوقة جديدا ، فيكون الأشخاص الموجودين في الدنيا من الناس بأعيانهم كما قال تعالى:"أ ولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى:"الأحقاف - 33 فعلق الإحياء على الموتى بأعيانهم فقال: على أن يحيي الموتى ولم يقل: على أن يحيي أمثال الموتى.
قوله تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون"الآية من غرر الآيات القرآنية تصف كلمة الإيجاد وتبين أنه تعالى لا يحتاج في إيجاد شيء مما أراده إلى ما وراء ذاته المتعالية من سبب يوجد له ما أراده أو يعينه في إيجاده أو يدفع عنه مانعا يمنعه.
وقد اختلف تعبيره تعالى عن هذه الحقيقة في كلامه فقال:"إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون:"النحل: - 40 ، وقال:"و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون:"البقرة: - 117.
فقوله:"إنما أمره"الظاهر أن المراد بالأمر الشأن ، وقوله في آية النحل المنقولة آنفا:"إنما قولنا لشيء إذا أردناه"إن كان يؤيد كون الأمر بمعنى القول وهو الأمر اللفظي بلفظة كن إلا أن التدبر في الآيات يعطي أن الغرض فيها وصف الشأن الإلهي عند إرادة خلق شيء من الأشياء لا بيان أن قوله تعالى عند خلق شيء من الأشياء هذا القول دون غيره ، فالوجه حمل القول على الأمر بمعنى الشأن بمعنى أنه جيء به لكونه مصداقا للشأن لا حمل الأمر على القول بمعنى ما يقابل النهي.
وقوله:"إذا أراد شيئا"أي إذا أراد إيجاد شيء كما يعطيه سياق الآية وقد ورد في عدة من الآيات القضاء مكان الإرادة كقوله:"إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 1"ولا ضير فالقضاء هو الحكم والقضاء والحكم والإرادة من الله شيء واحد وهو كون 2 الشيء الموجود بحيث ليس له من الله سبحانه إلا أن يوجد فمعنى إذا أردناه إذا أوقفناه موقف تعلق الإرادة.
وقوله:"أن يقول له كن"خبر إنما أمره أي يخاطبه بكلمة كن ومن المعلوم أن ليس هناك لفظ يتلفظ به وإلا احتاج في وجوده إلى لفظ آخر وهلم جرا فيتسلسل ولا أن هناك مخاطبا ذا سمع يسمع الخطاب فيوجد به لأدائه إلى الخلف فالكلام تمثيل لإفاضته تعالى وجود الشيء من غير حاجة إلى شيء آخر وراء ذاته المتعالية ومن غير تخلف ولا مهل.
وبه يظهر فساد ما ذكره بعضهم حيث قال: الظاهر أن هناك قولا لفظيا هو لفظ كن وإليه ذهب معظم السلف وشئون الله تعالى وراء ما تصل إليه الأفهام فدع عنك الكلام والخصام.
انتهى.
وذلك أن ما ذكره من كون شئونه تعالى وراء طور الأفهام لو أبطل الحجة العقلية القطعية بطلت بذلك المعارف الدينية من أصلها فصحة الكتاب مثلا بما يفيده من المعارف الحقيقية إنما تثبت بالحجة العقلية فلو بطلت الحجة العقلية بكتاب أو سنة أو شيء آخر مما يثبت هو بها لكان ذلك الدليل المبطل مبطلا لنفسه أولا فلا تزل قدم بعد ثبوتها.
ومن المعلوم أن ليس هناك إلا الله عز اسمه والشيء الذي يوجد لا ثالث بينهما وإسناد العلية والسببية إلى - إرادته دونه تعالى والإرادة صفة فعلية منتزعة من مقام الفعل كما تقدم - يستلزم انقطاع حاجة الأشياء إليه تعالى من رأس لاستيجابه استغناء الأشياء بصفة منتزعة منها عنه تعالى وتقدس.
ومن المعلوم أن ليس هناك أمر ينفصل عنه تعالى يسمى إيجادا ووجودا ثم يتصل بالشيء فيصير به موجودا وهو ظاهر فليس بعده تعالى إلا وجود الشيء فحسب.
ومن هنا يظهر أن كلمة الإيجاد وهي كلمة كن هي وجود الشيء الذي أوجده لكن بما أنه منتسب إليه قائم به وأما من حيث انتسابه إلى نفسه فهو موجود لا إيجاد ومخلوق لا خلق.
ويظهر أيضا أن الذي يفيض منه تعالى لا يقبل مهلة ولا نظرة ولا يتحمل تبدلا ولا تغيرا ، ولا يتلبس بتدريج وما يتراءى في الخلق من هذه الأمور إنما يتأتى في الأشياء في ناحية نفسها لا من الجهة التي تلي ربها سبحانه وهذا باب ينفتح منه ألف باب.