و قيل: المراد بالقرين القرين من الشياطين وفيه أن القرآن إنما يثبت قرناء الشياطين في المعرضين عن ذكر الله والمخلصون في عصمة إلهية من قرين الشياطين وكذا من تأثير الشيطان فيهم كما حكى عن إبليس استثناءهم من الإغواء:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين:"ص: - 83 نعم ربما أمكن أن يتعرض لهم الشيطان من غير تأثير فيهم لكنه غير أثر القرين.
وقوله:"يقول أ إنك لمن المصدقين أ إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أ إنا لمدينون"ضمير"يقول"للقرين ، ومفعول"المصدقين"البعث للجزاء وقد قام مقامه قوله:"أ إذا متنا"إلخ والمدينون المجزيون.
والمعنى: كأن يقول لي قريني مستبعدا منكرا أ إنك لمن المصدقين للبعث للجزاء أ إذا متنا وكنا ترابا وعظاما فتلاشت أبداننا وتغيرت صورها أ إنا لمجزيون بالإحياء والإعادة؟ فهذا مما لا ينبغي أن يصدق.
وقوله:"قال هل أنتم مطلعون"ضمير"قال"للقائل المذكور قبلا ، والاطلاع الإشراف والمعنى ثم قال القائل المذكور مخاطبا لمحادثيه من أهل الجنة: هل أنتم مشرفون على النار حتى تروا قريني والحال التي هو فيها؟.
وقوله:"فاطلع فرآه في سواء الجحيم"السواء الوسط ومنه سواء الطريق أي وسطه والمعنى فأشرف القائل المذكور على النار فرآه أي قرينه في وسط الجحيم.
وقوله:"قال تالله إن كدت لتردين""إن"مخففة من الثقيلة ، والإرداء السقوط من مكان عال كالشاهق ويكنى به عن الهلاك والمعنى أقسم بالله إنك قربت أن تهلكني وتسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم.
وقوله:"و لو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين"المراد بالنعمة التوفيق والهداية الإلهية ، والإحضار الإشخاص للعذاب قال في مجمع البيان ،: ولا يستعمل"أحضر"مطلقا إلا في الشر.
والمعنى ولو لا توفيق ربي وهدايته لكنت من المحضرين للعذاب مثلك.
وقوله:"أ فما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين"الاستفهام للتقرير والتعجيب ، والمراد بالموتة الأولى هي الموتة عن الحياة الدنيا وأما الموتة عن البرزخ المدلول عليها بقوله:"ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين:"المؤمن: - 11 فلم يعبأ بها لأن الموت الذي يزعم الزاعم فيه الفناء والبطلان هو الموت الدنيوي.
والمعنى - على ما في الكلام من الحذف والإيجاز - ثم يرجع القائل المذكور إلى نفسه وأصحابه فيقول متعجبا أ نحن خالدون منعمون فما نحن بميتين إلا الموتة الأولى وما نحن بمعذبين؟.
قال في مجمع البيان ،: ويريدون به التحقيق لا الشك وإنما قالوا هذا القول لأن لهم في ذلك سرورا مجددا وفرحا مضاعفا وإن كان قد عرفوا أنهم سيخلدون في الجنة وهذا كما أن الرجل يعطى المال الكثير فيقول مستعجبا: كل هذا المال لي؟ وهو يعلم أن ذلك له وهذا كقوله: أ بطحاء مكة هذا الذي.
أراه عيانا وهذا أنا؟.
قال: ولهذا عقبه بقوله:"إن هذا لهو الفوز العظيم"انتهى.
وقوله:"إن هذا لهو الفوز العظيم"هو من تمام قول القائل المذكور وفيه إعظام لموهبة الخلود وارتفاع العذاب وشكر للنعمة.
وقوله:"لمثل هذا فليعمل العاملون"ظاهر السياق أنه من قول القائل المذكور والإشارة بهذا إلى الفوز أو الثواب أي لمثل هذا الفوز أو الثواب فليعمل العاملون في دار التكليف ، وقيل: هو من قول الله سبحانه وقيل: من قول أهل الجنة.
واعلم أن لهم أقوالا مختلفة في نسبة أكثر الجمل السابقة إلى قول الله تعالى أو قول الملائكة أو قول أهل الجنة غير القائل المذكور والذي أوردناه هو الذي يساعد عليه السياق.
قوله تعالى:"أ ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم - إلى قوله - يهرعون"مقايسة بين ما هيأه الله نزلا لأهل الجنة مما وصفه من الرزق الكريم وبين ما أعده نزلا لأهل النار من شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رءوس الشياطين وشراب من حميم.
فقوله:"أ ذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم"الإشارة بذلك إلى الرزق الكريم المذكورة سابقا المعد لورود أهل الجنة والنزل بضمتين ما يهيأ لورود الضيف فيقدم إليه إذا ورد من الفواكه ونحوها.