فهرس الكتاب

الصفحة 3519 من 4314

و من المعلوم أن من كانت هذه صفته كان التذاذه وتنعمه غير ما يلتذ ويتنعم غيره وارتزاقه بغير ما يرتزق به سواه وإن شاركهم في ضروريات المأكل والمشرب ومن هنا يتأيد أن المراد بقوله:"أولئك لهم رزق معلوم"الإشارة إلى أن رزقهم في الجنة - وهم عباد مخلصون - رزق خاص لا يشبه رزق غيرهم ولا يختلط بما يتمتع به من دونهم وإن اشتركا في الاسم.

فقوله:"أولئك لهم رزق معلوم"أي رزق خاص متعين ممتاز من رزق غيرهم فكونه معلوما كناية عن امتيازه كما في قوله:"و ما منا إلا له مقام معلوم:"الصافات: - 164 والإشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم.

وأما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوما كونه معلوم الخصائص مثل كونه غير مقطوع ولا ممنوع حسن المنظر لذيذ الطعم طيب الرائحة ، وكذا ما ذكره آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت لقوله:"و لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا:"مريم: - 62 وكذا قول القائل: إن المراد به الجنة فهي وجوه غير سديدة.

ومن هنا يظهر أن أخذ قوله:"إلا عباد الله المخلصين"استثناء من ضمير"و ما تجزون"لا يخلو من وجه كما تقدمت الإشارة إليه.

وقوله:"فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم"الفواكه جمع فاكهة وهي ما يتفكه به من الأثمار بيان لرزقهم المعلوم غير أنه تعالى شفعه بقوله:"و هم مكرمون"للدلالة على امتياز هذا الرزق أعني الفاكهة مما عند غيرهم بأنها مقارنة لإكرام خاص يخصهم قبال اختصاصهم بالله سبحانه وكونه لهم لا يشاركهم فيه شيء.

وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ذلك فقد تقدم في قوله:"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم"الآية: النساء: - 69 ، وقوله:"و أتممت عليكم نعمتي:"المائدة: - 3 وغيرهما أن حقيقة النعمة هي الولاية وهي كونه تعالى هو القائم بأمر عبده.

وقوله:"على سرر متقابلين"السرر جمع سرير وهو معروف وكونهم متقابلين معناه استئناس بعضهم ببعض واستمتاعهم بنظر بعضهم في وجه بعض من غير أن يرى بعضهم قفا بعض.

وقوله:"يطاف عليهم بكأس من معين"الكأس إناء الشراب ونقل عن كثير من اللغويين أن إناء الشراب لا يسمى كأسا إلا وفيه الشراب فإن خلا منه فهو قدح والمعين من الشراب الظاهر منه من عان الماء إذا ظهر وجرى على وجه الأرض ، والمراد بكون الكأس من معين صفاء الشراب فيها ولذا عقبه بقوله:"بيضاء".

وقوله:"بيضاء لذة للشاربين"أي صافية في بياضها لذيذة للشاربين فاللذة مصدر أريد به الوصف مبالغة أو هي مؤنث لذ بمعنى لذيذ كما قيل.

وقوله:"لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون"الغول الإضرار والإفساد ، قال الراغب: الغول إهلاك الشيء من حيث لا يحس به انتهى.

فنفي الغول عن الخمر نفي مضارها والإنزاف فسر بالسكر المذهب للعقل وأصله إذهاب الشيء تدريجا.

ومحصل المعنى: أنه ليس فيها مضار الخمر التي في الدنيا ولا إسكارها بإذهاب العقل.

وقوله:"و عندهم قاصرات الطرف عين"وصف للحور التي يرزقونها وقصور طرفهن كناية عن نظرهن نظرة الغنج والدلال ويؤيده ذكر العين بعده وهو جمع عيناء مؤنث أعين وهي الواسعة العين في جمال.

وقيل: المراد بقاصرات الطرف أنهن قصرن طرفهن على أزواجهن لا يردن غيرهم لحبهن لهم ، وبالعين أن أعينهن شديدة في سوادها شديدة في بياضها.

وقوله:"كأنهن بيض مكنون"البيض معروف وهو اسم جنس واحدته بيضة والمكنون هو المستور بالادخار قيل: المراد تشبيههن بالبيض الذي كنه الريش في العش أو غيره في غيره فلم تمسه الأيدي ولم يصبه الغبار ، وقيل: المراد تشبيههن ببطن البيض قبل أن يقشر وقبل أن تمسه الأيدي.

قوله تعالى:"فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون - إلى قوله - فليعمل العاملون"حكاية محادثة تقع بين أهل الجنة فيسأل بعضهم عن أحوال بعض ويحدث بعضهم بما جرى عليه في الدنيا وتنتهي المحادثة إلى تكليمهم بعض أهل النار وهو في سواء الجحيم.

فقوله:"فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون"ضمير الجمع لأهل الجنة من عباد الله المخلصين وتساؤلهم - كما تقدم - سؤال بعضهم عن بعض وما جرى عليه.

وقوله:"قال قائل منهم إني كان لي قرين"أي قال قائل من أهل الجنة المتسائلين إني كان لي في الدنيا مصاحب يختص بي من الناس.

كذا يعطي السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت