فهرس الكتاب

الصفحة 3518 من 4314

ثم قالوا:"بل كنتم قوما طاغين"والطغيان هو التجاوز عن الحد وهو إضراب عن قوله:"لم تكونوا مؤمنين"كأنه قيل: ولم يكن سبب هلاككم مجرد الخلو من الإيمان بل كنتم قوما طاغين كما كنا مستكبرين طاغين فتعاضدنا جميعا على ترك سبيل الرشد واتخاذ سبيل الغي فحق علينا كلمة العذاب التي قضى بها الله سبحانه قال تعالى:"إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا:"النبأ: - 22 وقال:"فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى:"النازعات: - 39.

ولهذا المعنى عقب قوله:"بل كنتم قوما طاغين"بقوله:"فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون"أي لذائقون العذاب.

ثم قالوا:"فأغويناكم إنا كنا غاوين"وهو متفرع على ثبوت كلمة العذاب وآخر الأسباب لهلاكهم فإن الطغيان يستتبع الغواية ثم نار جهنم ، قال تعالى لإبليس"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين:"الحجر: - 43.

فكأنه قيل: فلما تلبستم بالطغيان حل بكم الغواية بأيدينا من غير سلطان لنا عليكم إلا اتباعكم لنا واتصالكم بنا فسرى إليكم ما فينا من الصفة وهي الغواية فالغاوي لا يتأتى منه إلا الغواية والإناء لا يترشح منه إلا ما فيه ، وبالجملة إنكم لم تجبروا ولم تسلبوا الاختيار منذ بدأتم في سلوك سبيل الهلاك إلى أن وقعتم في ورطته وهي الغواية فحق عليكم القول.

قوله تعالى:"فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون - إلى قوله - يستكبرون"ضمير"فإنهم"للتابعين والمتبوعين فهم مشتركون في العذاب لاشتراكهم في الظلم وتعاونهم على الجرم من غير مزية لبعضهم على بعض.

واستظهر بعضهم أن المغوين أشد عذابا وذلك في مقابلة أوزارهم وأوزار أمثال أوزارهم فالشركة لا تقتضي المساواة والحق أن الآيات مسوقة لبيان اشتراكهم في الظلم والجرم والعذاب اللاحق بهم من قبله ، ويمكن مع ذلك أن يلحق بكل من المتبوعين والتابعين ألوان من العذاب ناشئة عن خصوص شأنهم قال تعالى:"و ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم:"العنكبوت: - 13 ، وقال:"ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون:"الأعراف: - 38.

وقوله:"إنا كذلك نفعل بالمجرمين"تأكيد لتحقيق العذاب ، والمراد بالمجرمين المشركون بدليل قوله بعد:"إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون"أي إذا عرض عليهم التوحيد أن يؤمنوا به أو كلمة الإخلاص أن يقولوها استمروا على استكبارهم ولم يقبلوا.

قوله تعالى:"و يقولون أ إنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون بل جاء بالحق وصدق المرسلين"قولهم هذا إنكار منهم للرسالة بعد استكبارهم عن التوحيد وإنكارهم له.

وقوله:"بل جاء بالحق وصدق المرسلين"رد لقولهم:"لشاعر مجنون"حيث رموه (عليه السلام) بالشعر والجنون وفيه رمي لكتاب الله بكونه شعرا ومن هفوات الجنون فرد عليهم بأن ما جاء به حق وفيه تصديق الرسل السابقين فليس بباطل من القول كالشعر وهفوة الجنون وليس ببدع غير مسبوق في معناه.

قوله تعالى:"إنكم لذائقوا العذاب الأليم"تهديد لهم بالعذاب لاستكبارهم ورميهم الحق بالباطل.

قوله تعالى:"و ما تجزون إلا ما كنتم تعملون"أي لا ظلم فيه لأنه نفس عملكم يرد إليكم.

قوله تعالى:"إلا عباد الله المخلصين - إلى قوله - بيض مكنون"استثناء منقطع من ضمير"لذائقوا"أو من ضمير"ما تجزون"ولكل وجه والمعنى على الأول لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وليسوا بذائقي العذاب الأليم والمعنى على الثاني لكن عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم وراء جزاء عملهم وسيجيء الإشارة إلى معناه.

واحتمال كون الاستثناء متصلا ضعيف لا يخلو من تكلف.

وقد سماهم الله سبحانه عباد الله المخلصين فأثبت لهم عبودية نفسه والعبد هو الذي لا يملك لنفسه شيئا من إرادة ولا عمل فهؤلاء لا يريدون إلا ما أراده الله ولا يعملون إلا له.

ثم أثبت لهم أنهم مخلصون بفتح اللام أي إن الله تعالى أخلصهم لنفسه فلا يشاركه فيهم أحد فلا تعلق لهم بشيء غيره تعالى من زينة الحياة الدنيا ولا من نعم العقبى وليس في قلوبهم إلا الله سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت