و في الكلام إيجاز وحذف من خبر رجوعهم إلى المدينة ووقوفهم على ما فعل بالأصنام وتحقيقهم الأمر وظنهم به (عليه السلام) مذكور في سورة الأنبياء.
قوله تعالى:"قال أ تعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"فيه إيجاز وحذف من حديث القبض عليه والإتيان به على أعين الناس ومسألته وغيرها.
والاستفهام للتوبيخ وفيه مع ذلك احتجاج على بطلان طريقتهم فهو يقول: لا يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون ربا للإنسان معبودا له والله سبحانه خلق الإنسان وما يعمله والخلق لا ينفك عن التدبير فهو رب الإنسان ومن السفه أن يترك هذا ويعبد ذاك.
وقد بان بذلك أن الأظهر كون ما في قوله:"ما تنحتون"موصولة والتقدير ما تنحتونه ، وكذا في قوله:"و ما تعملون"وجوز بعضهم كون"ما"فيها مصدرية وهو في أولهما بعيد جدا.
ولا ضير في نسبة الخلق إلى ما عمله الإنسان أو إلى عمله لأن ما يريده الإنسان ويعمله من طريق اختياره مراد الله سبحانه من طريق إرادة الإنسان واختياره ولا يوجب هذا النوع من تعلق الإرادة بالفعل بطلان تأثير إرادة الإنسان وخروج الفعل عن الاختيار وصيرورته مجبرا عليه ، وهو ظاهر.
ولو كان المراد نسبة خلق أعمالهم إلى الله سبحانه بلا واسطة لا من طريق إرادتهم بل بتعلق إرادته بنفس عملهم وأفاد الجبر لكان القول أقرب إلى أن يكون عذرا لهم من أن يكون توبيخا وتقبيحا ، وكانت الحجة لهم لا عليهم.
قوله تعالى:"قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم"البنيان مصدر بنى يبني والمراد به المبني ، والجحيم النار في شدة تأججها.
قوله تعالى:"فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين"الكيد الحيلة والمراد احتيالهم إلى إهلاكه وإحراقه بالنار.
وقوله:"فجعلناهم الأسفلين"كناية عن جعل إبراهيم فوقهم لا يؤثر فيه كيدهم شيئا إذ قال سبحانه:"يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم:"الأنبياء: - 69.
وقد اختتم بهذا فصل من قصص إبراهيم (عليه السلام) وهو انتهاضه أولا على عبادة الأوثان واختصامه لعبادها وانتهاء أمره إلى إلقائه النار وإبطاله تعالى كيدهم.
قوله تعالى:"و قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين"فصل آخر من قصصه (عليه السلام) يذكر عزمه على المهاجرة من بين قومه واستيهابه من الله ولدا صالحا وإجابته إلى ذلك وقصة ذبحه ونزول الفداء.
فقوله:"و قال إني ذاهب إلى ربي"إلخ كالإنجاز لما وعدهم به مخاطبا لآزر:"و أعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا:"مريم: - 48 ومنه يعلم أن مراده بالذهاب إلى ربه الذهاب إلى مكان يتجرد فيه لعبادته تعالى ودعائه وهو الأرض المقدسة.
وقول بعضهم: إن المراد أذهب إلى حيث أمرني ربي لا شاهد عليه.
وكذا قول بعضهم: إن المراد أني ذاهب إلى لقاء ربي حيث يلقونني في النار فأموت وألقى ربي سيهديني إلى الجنة.
وفيه - كما قيل - إن ذيل الآية لا يناسبه وهو قوله:"رب هب لي من الصالحين"وكذا قوله بعده:"فبشرناه بغلام حليم".
قوله تعالى:"رب هب لي من الصالحين"حكاية دعاء إبراهيم (عليه السلام) ومسألته الولد أي قال: رب هب لي"إلخ"وقد قيده بكونه من الصالحين.
قوله تعالى:"فبشرناه بغلام حليم"أي فبشرناه أنا سنرزقه غلاما حليما وفيه إشارة إلى أنه يكون ذكرا ويبلغ حد الغلمان ، وأخذ الغلومة في وصفه مع أنه بلغ مبلغ الرجال للإشارة إلى حاله التي يظهر فيها صفة كماله وصفاء ذاته وهو حلمه الذي مكنه من الصبر في ذات الله إذ قال:"يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين".
ولم يوصف في القرآن من الأنبياء بالحلم إلا هذا النبي الكريم في هذه الآية وأبوه في قوله تعالى:"إن إبراهيم لحليم أواه منيب:"هود: - 75.
قوله تعالى:"فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ما ذا ترى"إلخ الفاء في أول الآية فصيحة تدل على محذوف والتقدير فلما ولد له ونشأ وبلغ معه السعي ، والمراد ببلوغ السعي بلوغه من العمر مبلغا يسعى فيه لحوائج الحياة عادة وهو سن الرهاق ، والمعنى فلما راهق الغلام قال له يا بني"إلخ".