فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 4314

قوله تعالى: وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ، أي والذي فعله المشركون من إخراج رسول الله والمؤمنين من المهاجرين ، وهم أهل المسجد الحرام ، منه أكبر من القتال ، وما فتنوا به المؤمنين من الزجر والدعوة إلى الكفر أكبر من القتل ، فلا يحق للمشركين أن يطعنوا المؤمنين وقد فعلوا ما هو أكبر مما طعنوا به ، ولم يكن المؤمنون فيما أصابوه منهم إلا راجين رحمة الله والله غفور رحيم.

قوله تعالى: ولا يزالون يقاتلونكم إلى آخر الآية حتى للتعليل أي ليردوكم.

قوله تعالى: ومن يرتدد منكم عن دينه"إلخ"، تهديد للمرتد بحبط العمل وخلود النار.

كلام في الحبط

والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره ، ولم ينسب في القرآن إلا إلى العمل كقوله تعالى:"لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين:"الزمر - 65 ، وقوله تعالى:"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم ، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم:"محمد - 33 ، وذيل الآية يدل بالمقابلة على أن الحبط بمعنى بطلان العمل كما هو ظاهر قوله تعالى:"و حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون:"هود - 16 ، ويقرب منه قوله تعالى:"و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:"الفرقان - 23.

وبالجملة الحبط هو بطلان العمل وسقوطه عن التأثير ، وقد قيل: إن أصله من الحبط بالتحريك وهو أن يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه وربما أدى إلى هلاكه.

والذي ذكره تعالى من أثر الحبط بطلان الأعمال في الدنيا والآخرة معا ، فللحبط تعلق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة ، فإن الإيمان يطيب الحياة الدنيا كما يطيب الحياة الآخرة ، قال تعالى:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون:"النحل - 97 ، وخسران سعي الكافر ، وخاصة من ارتد إلى الكفر بعد الإيمان ، وحبط عمله في الدنيا ظاهر لا غبار عليه ، فإن قلبه غير متعلق بأمر ثابت ، وهو الله سبحانه ، يبتهج به عند النعمة ، ويتسلى به عند المصيبة ، ويرجع إليه عند الحاجة ، قال تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها:"الأنعام - 122 ، تبين الآية أن للمؤمن في الدنيا حياة ونورا في أفعاله ، وليس للكافر ، ومثله قوله تعالى ،"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى:"طه - 124 ، حيث يبين أن معيشة الكافر وحياته في الدنيا ضنك ضيقة متعبة ، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة.

وقد جمع الجميع ودل على سبب هذه السعادة والشقاوة قوله تعالى:"ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم:"محمد - 11.

فظهر مما قربناه أن المراد بالأعمال مطلق الأفعال التي يريد الإنسان بها سعادة الحياة ، لا خصوص الأعمال العبادية ، والأفعال القربية التي كان المرتد عملها وأتى بها حال الإيمان ، مضافا إلى أن الحبط وارد في مورد الذين لا عمل عبادي ، ولا فعل قربي لهم كالكفار والمنافقين كقوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم:"محمد - 9 ، وقوله تعالى:"إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين:"آل عمران - 22 ، إلى غير ذلك من الآيات.

فمحصل الآية كسائر آيات الحبط هو أن الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثر في سعادة الحياة ، كما أن الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثر بها أثرها في السعادة ، فإن آمن الإنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السعادة بعد كونها محبطة باطلة ، وإن ارتد بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت ، فلا تأثير لها في سعادة دنيوية ولا أخروية ، لكن يرجى له ذلك أن هو لم يمت على الردة وإن مات على الردة حتم له الحبط وكتب عليه الشقاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت