فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 4314

و من هنا يظهر بطلان النزاع في بقاء أعمال المرتد إلى حين الموت والحبط عنده أو عدمه.

توضيح ذلك: أنه ذهب بعضهم إلى أن أعمال المرتد السابقة على ردته باقية إلى حين الموت ، فإن لم يرجع إلى الإيمان بطلت بالحبط عند ذلك ، واستدل عليه بقوله تعالى"و من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة"الآية وربما أيده قوله تعالى:"و قدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا:"الفرقان - 23 ، فإن الآية تبين حال الكفار عند الموت ، ويتفرع عليه أنه لو رجع إلى الإيمان تملك أعماله الصالحة السابقة على الارتداد.

وذهب آخرون إلى أن الردة تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وإن آمن من بعد الارتداد ، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الإيمان ثانيا إلى حين الموت ، وأما الآية فإنما أخذت قيد الموت لكونها في مقام بيان جميع أعماله وأفعاله التي عملها في الدنيا! وأنت بالتدبر فيما ذكرناه تعرف ، أن لا وجه لهذا النزاع أصلا ، وأن الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وأفعاله من حيث التأثير في سعادته!.

وهنا مسألة أخرى كالمتفرعة على هذه المسألة وهي مسألة الإحباط والتكفير ، وهي أن الأعمال هل تبطل بعضها بعضا أو لا تبطل بل للحسنة حكمها وللسيئة حكمها ، نعم الحسنات ربما كفرت السيئات بنص القرآن.

ذهب بعضهم إلى التباطل والتحابط بين الأعمال وقد اختلف هؤلاء بينهم ، فمن قائل بأن كل لاحق من السيئة تبطل الحسنة السابقة كالعكس ، ولازمه أن لا يكون عند الإنسان من عمله إلا حسنة فقط ، أو سيئة فقط ومن قائل بالموازنة وهو أن ينقص من الأكثر بمقدار الأقل ويبقى الباقي سليما عن المنافي ، ولازم القولين جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلا نوع واحد حسنة أو سيئة لو كان عنده شيء منهما.

ويردهما أولا قوله تعالى:"و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم والله غفور رحيم:"التوبة - 102 ، فإن الآية ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من الله سبحانه ، وهو ينافي التحابط بأي وجه تصوروه.

وثانيا: أنه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنساني من طريق المجازاة ، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السيئة على حدة إلا في بعض السيئات من المعاصي التي تقطع رابطة المولوية والعبودية من أصلها فهو مورد الإحباط ، والآيات في هذه الطريقة كثيرة غنية عن الإيراد.

وذهب آخرون إلى أن نوع الأعمال محفوظة ، ولكل عمل أثره سواء في ذلك الحسنة والسيئة.

نعم الحسنة ربما كفرت السيئة كما قال تعالى:"يا أيها آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم:"الأنفال - 29 ، وقال تعالى:"فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه الآية:"البقرة - 203 ، وقال تعالى:"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم:"النساء - 31 ، بل بعض الأعمال يبدل السيئة حسنة كما قال تعالى:"إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات:"الفرقان - 70.

وهنا مسألة أخرى هي كالأصل لهاتين المسألتين ، وهي البحث عن وقت استحقاق الجزاء وموطنه ، فقيل: إنه وقت العمل ، وقيل: حين الموت ، وقيل: الآخرة ، وقيل: وقت العمل بالموافاة بمعنى أنه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته لم يستحق ذلك إلا أن يعلم الله ما يئول إليه حاله ويستقر عليه ، فيكتب ما يستحقه حال العمل.

وقد استدل أصحاب كل قول بما يناسبه من الآيات ، فإن فيها ما يناسب كلا من هذه الأوقات بحسب الانطباق ، وربما استدل ببعض وجوه عقلية ملفقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت