فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 4314

و الذي ينبغي أن يقال: إنا لو سلكنا في باب الثواب والعقاب والحبط والتكفير وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال على ما بيناه في تفسير قوله تعالى:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها:"الآية - 26 ، كان لازم ذلك كون النفس الإنسانية ما دامت متعلقة بالبدن جوهرا متحولا قابلا للتحول في ذاته وفي آثار ذاته من الصور التي تصدر عنها وتقوم بها نتائج وآثار سعيدة أو شقية ، فإذا صدر منه حسنة حصل في ذاته صورة معنوية مقتضية لاتصافه بالثواب ، وإذا صدر منه معصية فصوره معنوية تقوم بها صورة العقاب ، غير أن الذات لما كانت في معرض التحول والتغير بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسيئات كان من الممكن أن تبطل الصورة الموجودة الحاضرة بتبدلها إلى غيرها ، وهذا شأنها حتى يعرضها الموت فتفارق البدن وتقف الحركة ويبطل التحول واستعداده ، فعند ذلك يثبت لها الصور وآثارها ثبوتا لا يقبل التحول والتغير إلا بالمغفرة أو الشفاعة على النحو الذي بيناه سابقا.

وكذا لو سلكنا في الثواب والعقاب مسلك المجازاة على ما بيناه فيما مر كان حال الإنسان من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنسبة إلى التكاليف الإلهية وترتب الثواب والعقاب عليها حاله من حيث الإطاعة والمعصية في التكاليف الاجتماعية وترتب المدح والذم عليها ، والعقلاء يأخذون في مدح المطيع والمحسن وذم العاصي والمسيء بمجرد صدور الفعل عن فاعله ، غير أنهم يرون ما يجازونه به من المدح والذم قابلا للتغير والتحول لكونهم يرون الفاعل ممكن التغير والزوال عما هو عليه من الانقياد والتمرد ، فلحوق المدح والذم على فاعل الفعل فعلي عندهم بتحقق الفعل غير أنه موقوف البقاء على عدم تحقق ما ينافيه ، وأما ثبوت المدح والذم ولزومهما بحيث لا يبطلان قط فإنما يكون إذا ثبت حاله بحيث لا يتغير قط بموت أو بطلان استعداد في الحياة.

ومن هنا يعلم: أن في جميع الأقوال السابقة في المسائل المذكورة انحرافا عن الحق لبنائهم البحث على غير ما ينبغي أن يبنى عليه.

وأن الحق أولا: أن الإنسان يلحقه الثواب والعقاب من حيث الاستحقاق بمجرد صدور الفعل الموجب له لكنه قابل للتحول والتغير بعد ، وإنما يثبت من غير زوال بالموت كما ذكرناه.

وثانيا: أن حبط الأعمال بكفر ونحوه نظير استحقاق الأجر يتحقق عند صدور المعصية ويتحتم عند الموت.

وثالثا: أن الحبط كما يتعلق بالأعمال الأخروية كذلك يتعلق بالأعمال الدنيوية.

ورابعا: أن التحابط بين الأعمال باطل بخلاف التكفير ونحوه.

كلام في أحكام الأعمال من حيث الجزاء

من أحكام الأعمال:

أن من المعاصي ما يحبط حسنات الدنيا والآخرة كالارتداد.

قال تعالى:"و من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة"الآية ، وكالكفر بآيات الله والعناد فيه.

قال تعالى:"إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة:"آل عمران - 22 ، وكذا من الطاعات ما يكفر سيئات الدنيا والآخرة كالإسلام والتوبة ، قال تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم:"الزمر - 55 ، وقال تعالى:"فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى:"طه - 124.

وأيضا: من المعاصي ما يحبط بعض الحسنات كالمشاقة مع الرسول ، قال تعالى:"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم:"سورة محمد - 33 ، فإن المقابلة بين الآيتين تقضي بأن يكون الأمر بالإطاعة في معنى النهي عن المشاقة ، وإبطال العمل هو الإحباط ، وكرفع الصوت فوق صوت النبي ، قال تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون:"الحجرات - 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت