فهرس الكتاب

الصفحة 3569 من 4314

قوله تعالى:"تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم""تنزيل الكتاب"خبر لمبتدإ محذوف ، وهو مصدر بمعنى المفعول فيكون إضافته إلى الكتاب من إضافة الصفة إلى موصوفها و"من الله"متعلق بتنزيل والمعنى هذا كتاب منزل من الله العزيز الحكيم.

وقيل:"تنزيل الكتاب"مبتدأ و"من الله"خبره ولعل الأول أقرب إلى الذهن.

قوله تعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين"عبر بالإنزال دون التنزيل كما في الآية السابقة لأن القصد إلى بيان كونه بالحق وهو يناسب مجموع ما نزل إليه من ربه.

وقوله:"بالحق"الباء فيه للملابسة أي أنزلناه إليك متلبسا بالحق فما فيه من الأمر بعبادة الله وحده حق ، وعلى هذا المعنى فرع عليه قوله:"فاعبد الله مخلصا له الدين"والمعنى فإذا كان بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين لأن فيه ذلك.

والمراد بالدين - على ما يعطيه السياق - العبادة ويمكن أن يراد به سنة الحياة وهي الطريقة المسلوكة في الحياة في المجتمع الإنساني ، ويراد بالعبادة تمثيل العبودية بسلوك الطريق التي شرعها الله سبحانه والمعنى فأظهر العبودية لله في جميع شئون حياتك باتباع ما شرعه لك فيها والحال أنك مخلص له دينك لا تتبع غير ما شرعه لك.

قوله تعالى:"ألا لله الدين الخالص"إظهار وإعلان لما أضمر وأجمل في قوله:"بالحق"وتعميم لما خصص في قوله:"فاعبد الله مخلصا له الدين"أي إن الذي أوحيناه إليك من إخلاص الدين لله واجب على كل من سمع هذا النداء ، ولكون الجملة نداء مستقلا أظهر اسم الجلالة وكان مقتضى الظاهر أن يضمر ويقال: له الدين الخالص.

ومعنى كون الدين الخالص له أنه لا يقبل العبادة ممن لا يعبده وحده سواء عبده وغيره أو عبد غيره وحده.

قوله تعالى:"و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"إلى آخر الآية تقدم أن الوثنية يرون أن الله سبحانه أجل من أن يحيط به الإدراك الإنساني من عقل أو وهم أو حس فيتنزه تعالى عن أن يقع عليه توجه عبادي منا.

فمن الواجب أن نتقرب إليه بالتقرب إلى مقربيه من خلقه وهم الذين فوض إليهم تدبير شئون العالم فنتخذهم أربابا من دون الله ثم آلهة نعبدهم ونتقرب إليهم ليشفعوا لنا عند الله ويقربونا إليه زلفى وهؤلاء هم الملائكة والجن وقديسو البشر وهؤلاء هم الأرباب والآلهة بالحقيقة.

أما الأصنام المصنوعة المنصوبة في الهياكل والمعابد فإنما هي تماثيل للأرباب والآلهة وليست في نفسها أربابا ولا آلهة غير أن الجهلة من عامتهم ربما لم يفرقوا بين الأصنام وأرباب الأصنام فعبدوا الأصنام كما يعبد الأرباب والآلهة وكذلك كانت عرب الجاهلية وكذلك الجهلة من عامة الصابئين ربما لم يفرقوا بين أصنام الكواكب والكواكب التي هي أيضا أصنام لأرواحها الموكلة عليها وبين أرواحها التي هي الأرباب والآلهة بالحقيقة عند خاصتهم.

وكيف كان فالأرباب والآلهة هم المعبودون عندهم وهم موجودات ممكنة مخلوقة لله مقربة عنده مفوضة إليهم تدبير أمر العالم لكل بحسب منزلته وأما الله سبحانه فليس له إلا الخلق والإيجاد وهو رب الأرباب وإله الآلهة.

إذا تذكرت ما مر ظهر أن المراد بقوله:"و الذين اتخذوا من دونه أولياء"اتخاذهم أربابا يدبرون الأمر بأن يسندوا الربوبية وأمر التدبير إليهم لا إلى الله فهم المدبرون للأمر عندهم ويتفرع عليه أن يخضع لهم ويعبدوا لأن العبادة لجلب النفع أو لدفع الضرر أو شكر النعم وكل ذلك إليهم لتصديهم أمر التدبير دون الله سبحانه.

فالمراد باتخاذهم أولياء اتخاذهم أربابا 1 ، ولذا عقب اتخاذ الأولياء بذكر العبادة"ما نعبدهم إلا ليقربونا"فقوله:"و الذين اتخذوا من دونه أولياء"مبتدأ خبره"إن الله يحكم"إلخ والمراد بهم المشركون القائلون بربوبية الشركاء وألوهيتهم دون الله إلا ما ذهب إليه جهلتهم من كونه تعالى شريكا لهم في المعبودية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت