و قوله:"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى"تفسير لمعنى اتخاذ الأولياء من دون الله وهو حكاية لقولهم أو بتقدير القول أي يقولون: ما نعبدهم هؤلاء إلا ليقربونا بسبب عبادتنا لهم إلى الله تقريبا فهم عادلون منه تعالى إلى غيره ، وإنما سموا مشركين لأنهم يشركون به تعالى غيره حيث يقولون بكونهم أربابا وآلهة للعالم وكونه تعالى ربا وإلها لأولئك الأرباب والآلهة ، وأما الشركة في الخلق والإيجاد فلم يقل به لا مشرك ولا موحد.
وقوله:"إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون"قيل: ضمير الجمع للمشركين وأوليائهم أي إن الله يحكم بين المشركين وبين أوليائهم فيما هم فيه يختلفون ، وقيل: الضميران راجعان إلى المشركين وخصمائهم من أهل الإخلاص في الدين المفهوم من السياق ، والمعنى إن الله يحكم بينهم وبين المخلصين للدين.
وقوله:"إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار"الكفار كثير الكفران لنعم الله أو كثير الستر للحق ، وفي الجملة إشعار بل دلالة على أن الحكم يوم القيامة على المشركين لا لهم وأنهم مسيرون إلى العذاب ، والمراد بالهداية الإيصال إلى حسن العاقبة.
قوله تعالى:"لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار"احتجاج على نفي قولهم: إن الله اتخذ ولدا ، وقول بعضهم: الملائكة بنات الله.
والقول بالولد دائر بين عامة الوثنية على اختلاف مذاهبهم وقد قالت النصارى: المسيح ابن الله ، وقالت اليهود على ما حكاه القرآن عنهم: عزير ابن الله وكأنها بنوة تشريفية.
والبنوة كيفما كانت تقتضي شركة ما بين الابن والأب والولد والوالد فإن كانت بنوة حقيقية وهي اشتقاق شيء من شيء وانفصاله منه اقتضت الشركة في حقيقة الذات والخواص والآثار المنبعثة من الذات كبنوة إنسان لإنسان المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية ولوازمها ، وإن كانت بنوة اعتبارية كالبنوة الاجتماعية وهو التبني اقتضت الاشتراك في الشئونات الخاصة بالأب كالسؤدد والملك والشرف والتقدم والوراثة وبعض أحكام النسب ، والحجة المسوقة في الآية تدل على استحالة اتخاذ الولد عليه تعالى بكلا المعنيين.
فقوله:"لو أراد الله أن يتخذ ولدا"شرط صدر بلو الدال على الامتناع للامتناع ، وقوله:"لاصطفى مما يخلق ما يشاء"أي لاختار لذلك مما يخلق ما يتعلق به مشيئته على ما يفيده السياق وكونه مما يخلق لكون ما عداه سبحانه خلقا له.
وقوله:"سبحانه"تنزيه له سبحانه ، وقوله:"هو الله الواحد القهار"بيان لاستحالة الشرط وهو إرادة اتخاذ الولد ليترتب عليه استحالة الجزاء وهو اصطفاء ما يشاء مما يخلق وذلك لأنه سبحانه واحد في ذاته المتعالية لا يشاركه فيها شيء ولا يماثله فيها أحد لأدلة التوحيد ، وواحد في صفاته الذاتية التي هي عين ذاته كالحياة والعلم والقدرة ، وواحد في شئونه التي هي من لوازم ذاته كالخلق والملك والعزة والكبرياء لا يشاركه فيها أحد.
وهو سبحانه قهار يقهر كل شيء بذاته وصفاته فلا يستقل قبال ذاته ووجوده شيء في ذاته ووجوده ولا يستغني عنه شيء في صفاته وآثار وجوده فالكل أذلاء داخرون بالنسبة إليه مملوكون له فقراء إليه.
فمحصل حجة الآية قياس استثنائي ساذج يستثنى فيه نقيض المقدم لينتج نقيض التالي وهو نحو من قولنا: لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى لذلك بعض من يشاء من خلقه لكن إرادته اتخاذ الولد ممتنعة لكونه واحدا قهارا فاصطفاؤه لذلك بعض من يشاء من خلقه ممتنع.
وقد أغرب بعضهم في تقريب حجة الآية فقال: حاصل المعنى لو أراد سبحانه اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا يجوز للباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض.
وأصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ثم حذف هذا الجواب وجيء بدله لاصطفى تنبيها على أن الممكن هذا لا الأول وأنه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه وتعالى شأنه عن ذلك فقد تحقق التلازم وحق نفي اللازم وإثبات الملزوم دون صعوبة.
انتهى.