و كأنه مأخوذ من قول الزمخشري في الكشاف ، في تفسير الآية حيث قال: يعني لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح لكونه محالا ولم يتأت إلا أن يصطفي من خلقه بعضه ويختصهم ويقربهم كما يختص الرجل ولده ويقربه وقد فعل ذلك بالملائكة فافتتنتم به وغركم اختصاصه إياهم فزعمتم أنهم أولاده جهلا منكم به وبحقيقته المخالفة لحقائق الأجسام والأعراض كأنه قال: لو أراد اتخاذ الولد لم يزد على ما فعل من اصطفاء ما يشاء من خلقه وهم الملائكة لكنكم لجهلكم به حسبتم اصطفاءهم اتخاذهم أولادا ثم تماديتم في جهلكم وسفهكم فجعلتموهم بنات فكنتم كذابين كفارين متبالغين في الافتراء على الله وملائكته غالين في الكفر انتهى.
وأنت خبير أن سياق الآية لا يلائم هذا البيان.
على أنه لا يدفع قول القائل بالتبني التشريفي كقول اليهود عزير ابن الله فإنهم لا يريدون بالتبني إلا اصطفاء من يشاء من خلقه.
وهناك بعض تقريبات أخر منهم لا جدوى فيه تركنا إيراده.
قوله تعالى:"خلق السموات والأرض بالحق"لا يبعد أن يكون ما فيه من الإشارة إلى الخلق والتدبير بيانا لقهاريته تعالى لكن اتصال الآيتين وارتباطهما مضمونا وانتهاء الثانية إلى قوله:"ذلكم الله ربكم"إلخ كالصريح في أن ذلك استئناف بيان للاحتجاج على توحيد الربوبية.
فالآية والتي تليها مسوقتان لتوحيد الربوبية وقد جمع فيهما بين الخلق والتدبير لما مر مرارا أن إثبات وحدة الخالق لا يستلزم عند الوثني نفي تعدد الأرباب والآلهة لأنهم لا ينكرون انحصار الخلق والإيجاد فيه تعالى لكنه سبحانه فيما يحتج على توحده في الربوبية والألوهية في كلامه يجمع بين الخلق والتدبير إشارة إلى أن التدبير غير خارج من الخلق بل هو خلق بوجه كما أن الخلق تدبير بوجه وعند ذلك يتم الاحتجاج على رجوع التدبير إليه تعالى وانحصاره فيه برجوع الخلق إليه.
وقوله:"خلق السموات والأرض بالحق"إشارة إلى الخلقة ، وفي قوله:"بالحق"- والباء للملابسة - إشارة إلى البعث فإن كون الخلقة حقا غير باطل يلازم كونها لغاية تقصدها وتنساق إليها وهي البعث قال تعالى:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا:"ص: - 27.
وقوله:"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل"قال في المجمع ، التكوير طرح الشيء بعضه على بعض.
انتهى فالمراد طرح الليل على النهار وطرح النهار على الليل فيكون من الاستعارة بالكناية قريب المعنى من قوله:"يغشي الليل النهار:"الأعراف: - 54 والمراد استمرار توالي الليل والنهار بظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا وهكذا ، وهو من التدبير.
وقوله:"و سخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى"أي سخر الشمس والقمر فأجراهما للنظام الجاري في العالم الأرضي إلى أجل مسمى معين لا يتجاوزانه.
وقوله:"ألا هو العزيز الغفار"يمكن أن يكون في ذكر الاسمين إشارة إلى ما يحتج به على توحده تعالى في الربوبية والألوهية فإن العزيز الذي لا يعتريه ذلة إن كان فهو الله وهو المتعين للعبادة لا غيره الذي تغشاه الذلة وتغمره الفاقة وكذا الغفار للذنوب إذا قيس إلى من ليس من شأنه ذلك.
ويمكن أن يكون ذكرهما تحضيضا على التوحيد والإيمان بالله الواحد والمعنى أنبهكم أنه هو العزيز فآمنوا به واعتزوا بعزته ، الغفار فآمنوا به يغفر لكم.
قوله تعالى:"خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها"إلخ الخطاب لعامة البشر ، والمراد بالنفس الواحدة - على ما تؤيده نظائره من الآيات - آدم أبو البشر ، والمراد بزوجها امرأته التي هي من نوعها وتماثلها في الإنسانية ، و"ثم"للتراخي بحسب رتبة الكلام.
والمراد أنه تعالى خلق هذا النوع وكثر أفراده من نفس واحدة وزوجها.
وقوله:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج"الأنعام هي الإبل والبقر والضأن والمعز ، وكونها ثمانية أزواج باعتبار انقسامها إلى الذكر والأنثى.
وتسمية خلق الأنعام في الأرض إنزالا لها باعتبار أنه تعالى يسمي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم يكن إنزالا لها من خزائنه التي هي عنده ومن الغيب إلى الشهادة قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم:"الحجر: - 21.