و قوله:"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث"بيان لكيفية خلق من تقدم ذكره من البشر والأنعام ، وفي الخطاب تغليب أولي العقل على غيرهم ، والخلق من بعد الخلق التوالي والتوارد كخلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وهكذا ، والظلمات الثلاث هي ظلمة البطن والرحم والمشيمة كما قيل ورواه في المجمع ، عن أبي جعفر (عليه السلام) .
وقيل: المراد بها ظلمة الصلب والرحم والمشيمة وهو خطأ فإن قوله:"في بطون أمهاتكم"صريح في أن المراد بالظلمات الثلاث ما في بطون النساء دون أصلاب الرجال.
وقوله:"ذلكم الله ربكم"أي الذي وصف لكم في الآيتين بالخلق والتدبير هو ربكم دون غيره لأن الرب هو المالك الذي يدبر أمر ما ملكه وإذ كان خالقا لكم ولكل شيء دونكم وللنظام الجاري فيكم فهو الذي يملككم ويدبر أمركم فهو ربكم لا غير.
وقوله:"له الملك"أي على جميع المخلوقات في الدنيا والآخرة فهو المليك على الإطلاق"وتقديم الظرف يفيد الحصر ، والجملة خبر بعد خبر لقوله:"ذلكم الله"كما أن قوله:"لا إله إلا هو ، كذلك ، وانحصار الألوهية فيه تعالى فرع انحصار الربوبية فيه لأن الإله إنما يعبد لأنه رب مدبر فيعبد إما خوفا منه أو رجاء فيه أو شكرا له.
وقوله:"فأنى تصرفون"أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره وهو ربكم الذي خلقكم ودبر أمركم وهو المليك عليكم.
قوله تعالى:"إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر"إلى آخر الآية.
مسوق لبيان أن الدعوة إلى التوحيد وإخلاص الدين لله سبحانه ليست لحاجة منه تعالى إلى إقبالهم إليه بالانصراف عن عبادة غيره بل لعناية منه تعالى بهم فيدعوهم إلى سعادتهم اعتناء بها كما يعتني برزقهم فيفيض النعم عليهم وكما يعتني بحفظهم فيلهمهم أن يدفعوا الآفات عن أنفسهم.
فقوله:"إن تكفروا فإن الله غني عنكم"الخطاب لعامة المكلفين أي إن تكفروا بالله فلم توحدوه فإنه غني عنكم لذاته لا ينتفع بإيمانكم وطاعتكم ولا يتضرر بكفركم ومعصيتكم فالنفع والضرر إنما يتحققان في مجال الإمكان والحاجة وأما الواجب الغني بذاته فلا يتصور في حقه انتفاع ولا تضرر.
وقوله:"و لا يرضى لعباده الكفر"دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله:"فإن الله غني عنكم"إنه إذا لم يتضرر بكفر ولم ينتفع بإيمان فلا موجب له أن يريد منا الإيمان والشكر فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم يقتضي أن لا يرضى بكفركم وأنتم عباده.
والمراد بالكفر كفر النعمة الذي هو ترك الشكر بقرينة مقابلة قوله:"و إن تشكروا يرضه لكم"وبذلك يظهر أن التعبير بقوله:"لعباده"دون أن يقول: لكم للدلالة على علة الحكم أعني سبب عدم الرضا.
والمحصل أنكم عباد مملوكون لله سبحانه منغمرون في نعمه ورابطة المولوية والعبودية وهي نسبة المالكية والمملوكية لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة سيده فينسى ولاية مولاه ويتخذ لنفسه أولياء من دونه ويعصي المولى ويطيع عدوه وهو عبد عليه طابع العبودية لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
وقوله:"و إن تشكروا يرضه لكم"الضمير للشكر نظير قوله تعالى:"اعدلوا هو أقرب للتقوى:"المائدة: - 8 والمعنى وإن تشكروا الله بالجري على مقتضى العبودية وإخلاص الدين له يرض الشكر لكم وأنتم عباده ، والشكر والكفر المقابل له ينطبقان على الإيمان والكفر المقابل له.
ومما تقدم يظهر أن العباد في قوله:"و لا يرضى لعباده الكفر"عام يشمل الجميع فقول بعضهم: إنه خاص أريد به من عناهم في قوله:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين:"الحجر: - 42 وهم المخلصون - أو المعصومون على ما فسره الزمخشري - ولازمه أن الله سبحانه رضي الإيمان لمن آمن ورضي الكفر لمن كفر إلا المعصومين فإنه أراد منهم الإيمان ، وصانهم عن الكفر سخيف جدا ، والسياق يأباه كل الإباء ، إذ الكلام مشعر حينئذ برضاه الكفر للكافر فيؤول معنى الكلام إلى نحو من قولنا: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى للأنبياء مثلا الكفر لرضاه لهم الإيمان وإن تشكروا أنتم يرضه لكم وإن تكفروا يرضه لكم وهذا - كما ترى - معنى رديء ساقط وخاصة من حيث وقوعه في سياق الدعوة.