فهرس الكتاب

الصفحة 3573 من 4314

على أن الأنبياء مثلا داخلون فيمن شكر وقد رضي لهم الشكر والإيمان ولم يرض لهم الكفر فلا موجب لإفرادهم بالذكر وقد ذكر الرضا عمن شكر.

وقوله:"و لا تزر وازرة وزر أخرى"أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى أي لا يؤاخذ بالذنب إلا من ارتكبه.

وقوله:"ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور"أي هذا في الدنيا من كفر أو شكر ثم يبعثكم الله فيظهر لكم حقيقة أعمالكم ويحاسبكم على ما في قلوبكم وقد تكرر الكلام في معاني هذه الجمل فيما تقدم.

كلام في معنى الرضا والسخط من الله

الرضا من المعاني التي يتصف بها أولو الشعور والإرادة ويقابله السخط وكلاهما وصفان وجوديان.

ثم الرضا يتعلق بالمعاني من الأوصاف والأفعال دون الذوات يقال: رضي له كذا ورضي بكذا قال تعالى:"و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله:"التوبة: - 59 وقال: ورضوا بالحياة الدنيا:"يونس: - 7 وما ربما يتعلق بالذوات فإنما هو بعناية ما ويؤول بالآخرة إلى المعنى كقوله:"و لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى:"البقرة: - 120."

وليس الرضا هو الإرادة بعينها وإن كان كلما تعلقت به الإرادة فقد تعلق به الرضا بعد وقوعه بوجه.

وذلك لأن الإرادة - كما قيل - تتعلق بأمر غير واقع والرضا إنما يتعلق بالأمر بعد وقوعه أو فرض وقوعه فإذن كون الإنسان راضيا بفعل كذا كونه بحيث يلائم ذلك الفعل ولا ينافره ، وهو وصف قائم بالراضي دون المرضي.

ثم الرضا لكونه متعلقا بالأمر بعد وقوعه كان متحققا بتحقق المرضي حادثا بحدوثه فيمتنع أن يكون صفة من الصفات القائمة بذاته لتنزهه تعالى عن أن يكون محلا للحوادث فما نسب إليه تعالى من الرضا صفة فعل قائم بفعله منتزع عنه كالرحمة والغضب والإرادة والكراهة قال تعالى:"رضي الله عنهم ورضوا عنه:"البينة: - 8 وقال:"و أن أعمل صالحا ترضاه:"النمل: - 19 ، وقال:"و رضيت لكم الإسلام دينا:"المائدة: - 3.

فرضاه تعالى عن أمر من الأمور ملائمة فعله تعالى له ، وإذ كان فعله قسمين تكويني وتشريعي انقسم الرضا منه أيضا إلى تكويني وتشريعي فكل أمر تكويني وهو الذي أراد الله وأوجده فهو مرضي له رضا تكوينيا بمعنى كون فعله وهو إيجاده عن مشية ملائما لما أوجده ، وكل أمر تشريعي وهو الذي تعلق به التكليف من اعتقاد أو عمل كالإيمان والعمل الصالح فهو مرضي له رضا تشريعيا بمعنى ملاءمة تشريعه للمأتي به.

وأما ما يقابل هذه الأمور المأمور بها مما تعلق به نهي فلا يتعلق بها رضا البتة لعدم ملاءمة التشريع لها كالكفر والفسوق كما قال تعالى:"إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر:"الزمر: - 7 ، وقال:"فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين:"التوبة: - 96.

قوله تعالى:"و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه"إلى آخر الآية الإنابة الرجوع ، والتخويل العطية العظيمة على وجه الهبة وهي المنحة.

على ما في المجمع ، .

لما مر في الآية السابقة ذكر من كفر النعمة وأن الله سبحانه على غناه من الناس لا يرضى لهم ذلك نبه في هذه الآية على أن الإنسان كفور بالطبع مع أنه يعرف ربه بالفطرة ولا يلبث عند الاضطرار دون أن يرجع إليه فيسأله كشف ضره كما قال:"و كان الإنسان كفورا:"الإسراء: - 67 ، وقال:"إن الإنسان لظلوم كفار:"إبراهيم: - 34.

فقوله:"و إذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه"أي إذا أصاب الإنسان ضر من شدة أو مرض أو قحط ونحوه دعا ربه - وهو الله يعترف عند ذلك بربوبيته - راجعا إليه معرضا عمن سواه يسأله كشف الضر عنه.

وقوله:"ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه من قبل"أي وإذا أعطاه ربه سبحانه بعد كشف الضر نعمة منه اشتغل به مستغرقا ونسي الضر الذي كان يدعو إليه أي إلى كشفه من قبل إعطاء النعمة.

فما في قوله:"ما كان يدعوا إليه"موصولة والمراد به الضر وضمير"إليه"له وقيل: مصدرية والضمير للرب سبحانه والمعنى نسي دعاءه إلى ربه من قبل الإعطاء ، وقيل: موصولة والمراد به الله سبحانه وهو أبعد الوجوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت