فالقرآن الكريم يعتمد في خصوصيات ما نبأ به من أحكام الجزاء وما يرتبط بها على الأحكام الكلية العقلائية الدائرة بين العقلاء المبتنية على المصالح والمفاسد ، ومن لطيف الأمر: أن هذه الحقائق المستورة عن سطح الأفهام العادية قابلة التطبيق على الأحكام العقلائية المذكورة ، ممكنة التوجيه بها ، فإن العقل العملي الاجتماعي لا يأبى مثلا: التشديد على بعض المفسدين بمؤاخذته بجميع ما يترتب على عمله من المضار والمفاسد الاجتماعية كان يؤاخذ القاتل بجميع الحقوق الاجتماعية الفائتة بسبب موت المقتول ، أو يؤاخذ من سنن سنة سيئة بجميع المخالفات الجارية على وفق سنته ، ففي المثال الأول يقضي بأن المعاصي التي كانت ترى ظاهرا أفعالا للمقتول فاعلها هو القاتل بحسب الاعتبار العقلائي ، وفي المثال الثاني بأن السيئات التي عملها التابعون لتلك السنة السيئة أفعال فعلها أول من سن تلك السنة المتبوعة ، في عين أنها أفعال للتابعين فيها ، فهي أفعال لهم معا ، فلذلك يؤاخذ بها كما يؤخذون.
وكذلك يمكن أن يقضي بكون الفاعل لفعل غير فاعل له ، أو الفعل المعين المحدود غير ذلك الفعل ، أو حسنات الغير حسنات للإنسان ، أو للإنسان أمثال تلك الحسنات ، كل ذلك باقتضاء من المصالح الموجودة.
فالقرآن الكريم يعلل هذه الأحكام العجيبة الموجودة في الجزاء كمجازاة الإنسان بفعل غيره خيرا أو شرا ، وإسناد الفعل إلى غير فاعله ، وجعل الفعل غير نفسه ، إلى غير ذلك ، ويوضحها بالقوانين العقلائية الموجودة في ظرف الاجتماع وفي سطح الأفهام العامة ، وإن كانت بحسب الحقيقة ذات نظام غير نظام الحس ، وكانت الأحكام الاجتماعية العقلائية محصورة مقصورة على الحياة الدنيا ، وسينكشف على الإنسان ما هو مستور عنه اليوم يوم تبلى السرائر كما قال تعالى:"و لقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق:"الأعراف - 53 ، وقال تعالى:"و ما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين إلى أن قال بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله:"يونس - 39.
وبهذا الذي ذكرناه يرتفع الاختلاف المترائي بين هذه الآيات المشتملة على هذه الأحكام العجيبة وبين أمثال قوله تعالى:"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره:"الزلزال - 8 ، وقوله تعالى:"لا تزر وازرة وزر أخرى:"الأنعام - 164 ، وقوله تعالى:"كل امرىء بما كسب رهين:"الطور - 21 ، وقوله تعالى:"و أن ليس للإنسان إلا ما سعى:"النجم - 39 ، وقوله تعالى:"إن الله لا يظلم الناس شيئا:"يونس - 44 ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وذلك أن الآيات السابقة تحكم بأن معاصي المقتول المظلوم إنما فعلها القاتل الظالم فمؤاخذته له بفعل نفسه لا بفعل غيره ، وكذا تحكم بأن من اتبع سنة سيئة ففعل معصية على الاتباع لم يفعلها التابع وحده بل فعله هو وفعله المتبوع ، فالمعصية معصيتان ، وكذا تحكم بأن من أعان ظالما على ظلمه أو اقتدى بإمام ضلال فهو شريك معصيته ، وفاعل كمثله ، فهؤلاء وأمثالهم من مصاديق قوله تعالى:"لا تزر وازرة وزر أخرى"الآية ونظائرها من حيث الجزاء ، لا أنهم خارجون عن حكمها بالاستثناء أو بالنقض.