و إلى ذلك يشير قوله تعالى:"و قضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون:"الزمر - 70 ، فقوله: وهو أعلم بما يفعلون ، يدل أو يشعر بأن توفية كل نفس ما عملت إنما هي على حسب ما يعلمه الله سبحانه ويحاسبه من أفعالهم لا على حسب ما يحاسبونه من عند أنفسهم من غير علم ولا عقل ، فإن الله قد سلب عنهم العقل في الدنيا حيث قال تعالى حكاية عن أصحاب السعير"لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير:"الملك - 10 ، وفي الآخرة أيضا حيث قال"و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا:"الإسراء - 72 ، وقال تعالى:"نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة:"الهمزة - 7 ، وقال تعالى في تصديق هذا السلب:"قالت أخريهم لأوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون:"الأعراف - 38 ، فأثبت لكل من المتبوعين وتابعيهم الضعف من العذاب ، أما المتبوعين فلضلالهم وإضلالهم ، وأما التابعين فلضلالهم وإقامتهم أمر متبوعيهم بالتبعية ثم ذكر أنهم جميعا لا يعلمون.
فإن قلت: ظاهر هذه الآيات التي تسلب العلم عن المجرمين في الدنيا والآخرة ينافي آيات أخر تثبت لهم العلم كقوله تعالى:"كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون:"فصلت - 3 ، وكالآيات التي تحتج عليهم ولا معنى للاحتجاج على من لا علم له ولا فقه للاستدلال ، على أن نفس هذه الآيات مشتملة على أقسام من الاحتجاج عليهم في الآخرة ولا مناص من إثبات العقل والإدراك لهم فيه ، على أن هاهنا آيات تثبت لهم العلم واليقين في خصوص الآخرة كقوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:"ق - 22 ، وقوله تعالى:"و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون:"السجدة - 12.
قلت: مرجع نفي العلم عنهم في الدنيا نفي اتباع ما عندهم من العلم ، ومعنى نفيه عنهم في الآخرة لزوم ما جروا عليه من الجهالة في الدنيا لهم حين البعث وعدم انفكاك الأعمال عنهم كما قال تعالى:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقيه منشورا:"الإسراء - 13 ، وقوله تعالى:"قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين:"الزخرف - 38 ، إلى غير ذلك من الآيات ، وسيجيء استيفاء هذا البحث في تفسير قوله تعالى:"يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون:"البقرة - 242.
وقد أجاب الإمام الغزالي عن إشكال انتقال الأعمال بجواب آخر ذكره في بعض رسائله فقال ما حاصله: أن نقل الحسنات والسيئات بسبب الظلم واقع في الدنيا وقت جريان الظلم لكن ينكشف ذلك يوم القيامة ، فيرى الظالم مثلا طاعات نفسه في ديوان غيره ، ولم تنقل في ذلك الوقت بل في الدنيا كما قال تعالى:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار"، أخبر عن ثبوت الملك له تعالى في الآخرة وهو لم يحدث له تعالى هناك بل هو مالك دائما إلا أن حقيقته لا تنكشف لكافة الخلائق إلا يوم القيامة ، وما لا يعلمه الإنسان فليس بموجود له وإن كان موجودا في نفسه ، فإذا علمه صار موجودا له كأنه وجد الآن في حقه.
فقد سقط بهذا قول من قال: إن المعدوم كيف ينقل والعرض كيف ينقل؟.
فنقول: المنقول ثواب الطاعة ، لا نفس الطاعة ولكن لما كانت الطاعة يراد لثوابها عبر عن نقل أثرها بنقل نفسها ، وأثر الطاعة ليس أمرا خارجا عن الإنسان لاحقا به حتى يشكل بأن نقله في الدنيا من قبيل انتقال العرض المحال ، ونقله في الآخرة بعد انعدامه من قبيل إعادة المعدوم الممتنعة ، وإن كان جوهرا فما هذا الجوهر؟! بل المراد بأثر الطاعة أثره في القلب بالتنوير فإن للطاعات تأثيرا في القلب بالتنوير وللمعاصي تأثيرا فيه بالقسوة والظلمة ، وبأنوار الطاعة تستحكم مناسبة القلب مع عالم النور والمعرفة والمشاهدة ، وبالظلم والقسوة يستعد القلب للحجاب والبعد ، وبين آثار الطاعات والمعاصي تعاقب وتضاد كما قال تعالى:"إن الحسنات يذهبن السيئات"وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :"أتبع السيئة الحسنة تمحقها"والآثام تمحيصات للذنوب ، ولذلك قال (عليه السلام) : إن الرجل ليثاب حتى بالشوكة تصيب رجله ، وقال (عليه السلام) : الحدود كفارات.