فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 4314

فالظالم يتبع ظلمه ظلمة في قلبه وقسوة توجب انمحاء أثر النور الذي كان في قلبه من الطاعات التي كان عملها والمظلوم يتألم فينكسر شهوته ويمحو عن قلبه أثر السيئات التي أورثت ظلمة في قلبه فيتنور قلبه نوع تنور ، فقد دار ما في قلب الظالم من النور إلى قلب المظلوم ، وما في قلب المظلوم من الظلمة إلى قلب الظالم وهذا معنى نقل الحسنات والسيئات.

فإن قال قائل: ليس هذا نقلا حقيقيا إذ حاصله بطلان النور من قلب الظالم وحدوث نور آخر في قلب المظلوم ، وبطلان الظلمة من قلب المظلوم وحدوث ظلمة أخرى في قلب الظالم وليس هذا نقلا حقيقة.

قلنا اسم النقل قد يطلق على مثل هذا الأمر على سبيل الاستعارة كما يقال: انتقل الظل من موضع إلى موضع آخر ، وانتقل نور الشمس أو السراج من الأرض إلى الحائط إلى غير ذلك فهذا معنى نقل الطاعات ، فليس فيه إلا أنه كني بالطاعة عن ثوابها كما يكنى بالسبب عن المسبب ، وسمي إثبات الوصف في محل وإبطال مثله في محل آخر بالنقل ، وكل ذلك شائع في اللسان ، معلوم بالبرهان لو لم يرد الشرع به فكيف إذا ورد ، انتهى ملخصا.

أقول: محصل ما أفاده أن إطلاق النقل على ما يعامله الله سبحانه في حق أي القاتل والمقتول استعارة في استعارة أعني: استعارة اسم الطاعة لأثر الطاعة في القلب واستعارة اسم النقل لإمحاء شيء وإثبات شيء آخر في محل آخر ، وإذا اطرد هذا الوجه في سائر أحكام الأعمال المذكورة عادت جميع هذه الأحكام مجازات ، وقد عرفت أنه سبحانه قرر هذه الأحكام على ما يراه العقل العملي الاجتماعي ، ويبني عليه أحكامه من المصالح والمفاسد ، ولا ريب أن هذه الأحكام العقلية إنما تصدر من العقل باعتقاد الحقيقة ، فيؤاخذ القاتل مثلا بجرم المقتول أو يتحف المقتول أو ورثته بحسنة القاتل وما يشبه ذلك باعتقاد أن الجرم عين الجرم والحسنة عين الحسنة وهكذا.

هذا حال هذه الأحكام في ظرف الاجتماع الذي هو موطن أحكام العقل العملي ، وأما بالنسبة إلى غير هذا الظرف وهو ظرف الحقائق فالجميع مجازات إلا بحسب التحليل بمعنى أن نفس هذه المفاهيم لما كانت مفاهيم اعتبارية مأخوذة من الحقائق المأخوذة على نحو الدعوى والتشبيه كانت جميعها مجازات إذا قيست إلى تلك الحقائق المأخوذة منها فافهم ذلك.

ومن أحكام الأعمال: أنها محفوظة مكتوبة متجسمة

كما قال تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا:"آل عمران - 30 ، وقال تعالى:"و كل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقيه منشورا:"الإسراء - 13 ، وقال تعالى:"و نكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين:"يس - 12 ، وقال تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد:"ق - 22 ، وقد مر البحث عن تجسم الأعمال.

ومن أحكام الأعمال: أن بينها وبين الحوادث الخارجية ارتباطا ،

ونعني بالأعمال الحسنات والسيئات التي هي عناوين الحركات الخارجية ، دون الحركات والسكنات التي هي آثار الأجسام الطبيعية فقد قال تعالى:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير:"الشورى - 30 ، وقال تعالى:"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له:"الرعد - 11 ، وقال تعالى:"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم:"الأنفال - 53 ، والآيات ظاهرة في أن بين الأعمال والحوادث ارتباطا ما شرا أو خيرا.

ويجمع جملة الأمر آيتان من كتاب الله تعالى وهما قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون:"الأعراف - 96 ، وقوله تعالى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون:"الروم - 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت