فالحوادث الكونية تتبع الأعمال بعض التبعية ، فجرى النوع الإنساني على طاعة الله سبحانه وسلوكه الطريق الذي يرتضيه يستتبع نزول الخيرات ، وانفتاح أبواب البركات ، وانحراف هذا النوع عن صراط العبودية ، وتماديه في الغي والضلالة ، وفساد النيات ، وشناعة الأعمال يوجب ظهور الفساد في البر والبحر وهلاك الأمم بفشو الظلم وارتفاع الأمن وبروز الحروب وسائر الشرور الراجعة إلى الإنسان وأعماله ، وكذا ظهور المصائب والحوادث المبيدة الكونية كالسيل والزلزلة والصاعقة والطوفان وغير ذلك ، وقد عد الله سبحانه سيل العرم وطوفان نوح وصاعقة ثمود وصرصر عاد من هذا القبيل.
فالأمة الطالحة إذا انغمرت في الرذائل والسيئات أذاقها الله وبال أمرها وآل ذلك إلى إهلاكها وإبادتها ، قال تعالى:"أ ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق:"المؤمن - 21 ، وقال تعالى:"و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا:"الإسراء - 16 ، وقال تعالى:"ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون:"المؤمنون - 44 ، هذا كله في الأمة الطالحة ، والأمة الصالحة على خلاف ذلك.
والفرد كالأمة يؤخذ بالحسنة والسيئة والنقم والمثلات غير أن الفرد ربما ينعم بنعمة أسلافه كما أنه يؤخذ بمظالم غيره كآبائه وأجداده ، قال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام) : قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين:"يوسف - 90 ، والمراد به ما أنعم الله عليه من الملك والعزة وغيرهما ، وقال تعالى:"فخسفنا به وبداره الأرض:"القصص - 81 ، وقال تعالى:"و جعلنا له لسان صدق عليا:"مريم - 50 ، وكأنه الذرية الصالحة المنعمة كما قال تعالى:"جعلنا كلمة باقية في عقبه:"الزخرف - 28 ، وقال تعالى:"و أما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما:"الكهف - 82 ، وقال تعالى:"فليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم:"النساء - 9 ، والمراد بذلك الخلف المظلوم يبتلي بظلم سلفه."
وبالجملة إذا أفاض الله نعمة على أمة أو على فرد من أفراد الإنسان فإن كان المنعم عليه صالحا كان ذلك نعمة أنعمها عليه وامتحانا يمتحنه بذلك كما حكى الله تعالى عن سليمان إذ يقول:"قال هذا من فضل ربي ليبلوني ء أشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم:"النمل - 40 ، وقال تعالى:"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد:"إبراهيم - 7 ، والآية كسابقتها تدل على أن نفس الشكر من الأعمال الصالحة التي تستتبع النعم.
وإن كان المنعم عليه طالحا كانت النعمة مكرا في حقه واستدراجا وإملاء يملى عليه كما قال تعالى:"و يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين:"الأنفال - 30 ، وقال تعالى:"سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين:"القلم - 45 ، وقال تعالى:"و لقد فتنا قبلهم قوم فرعون:"الدخان - 17.
وإذا أنزلت النوازل وكرت المصائب والبلايا على قوم أو على فرد فإن كان المصاب صالحا كان ذلك فتنة ومحنة يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب ، وكان مثله مع البلاء مثل الذهب مع البوتقة والمحك ، قال تعالى:"أ حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون:"العنكبوت - 4 وقال تعالى:"و تلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء:"آل عمران - 140.
وإن كان المصاب طالحا كان ذلك أخذا بالنقمة وعقابا بالأعمال ، والآيات السابقة دالة على ذلك.