فهذا حكم العمل يظهر في الكون ويعود إلى عامله ، وأما قوله تعالى:"و لو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين:"الزخرف - 35 ، فغير ناظر إلى هذا الباب بل المراد به والله أعلم ذم الدنيا ومتاعها وأنها لا قدر لها ولمتاعها عند الله سبحانه ، ولذلك يؤثر للكافر ، وأن القدر للآخرة ولو لا أن أفراد الإنسان أمثال والمساعي واحدة متشاكلة متشابهة لخصها الله بالكافر.
فإن قيل: الحوادث العامة والخاصة كالسيول والزلازل والأمراض المسرية والحروب والأجداب لها علل طبيعية مطردة إذا تحققت تحققت معاليها سواء صلحت النفوس أو طلحت ، وعليه فلا محل للتعليل بالأعمال الحسنة والسيئة بل هو فرضية دينية ، وتقدير لا يطابق الواقع.
قلت: هذا إشكال فلسفي غير مناف لما نحن فيه من البحث التفسيري المتعلق بما يستفاد من كلامه تعالى وسنتعرض له تفصيلا في بحث فلسفي على حدة في تفسير قوله تعالى:"و لو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء:"الأعراف - 64.
وجملة القول فيه: أن الشبهة ناشئة عن سوء الفهم وعدم التنبه لمقاصد القرآن وأهله ، فهم لا يريدون بقولهم:"إن الأعمال حسنة كانت أو سيئة مستتبعة لحوادث يناسبها خيرا أو شرا"إبطال العلل الطبيعية وإنكار تأثيرها ، ولا تشريك الأعمال مع العوامل المادية ، كما أن الإلهيين لا يريدون بإثبات الصانع إبطال قانون العلية والمعلولية العام وإثبات الاتفاق والمجازفة في الوجود ، أو تشريك الصانع مع العلل الطبيعية واستناد بعض الأمور إليه والبعض الآخر إليها ، بل مرادهم إثبات علة في طول علة ، وعامل معنوي فوق العوامل المادية ، وإسناد التأثير إلى كلتا العلتين لكن بالترتيب: أولا وثانيا ، نظير الكتابة المنسوبة إلى الإنسان وإلى يده.
ومغزى الكلام: هو أن سائق التكوين يسوق الإنسان إلى سعادته الوجودية وكماله الحيوي كما مر الكلام فيه في البحث عن النبوة العامة ، ومن المعلوم أن من جملة منازل هذا النوع في مسيره إلى السعادة منزل الأعمال ، فإذا عرض لهذا السير عائق مانع يوجب توقفه أو إشراف سائره إلى الهلاك والبوار قوبل ذلك بما يدفع العائق المذكور أو يهلك الجزء الفاسد ، نظير المزاج البدني يعارض العاهة العارضة للبدن أو لعضو من أعضائه فإن وفق له أصلح المحل وإن عجز عنه تركه مفلجا لا يستفاد به.
وقد دلت المشاهدة والتجربة على أن الصنع والتكوين جهز كل موجود نوعي بما يدفع به الآفات والفسادات المتوجه إليه ، ولا معنى لاستثناء الإنسان في نوعه وفرده عن هذه الكلية! ودلتا أيضا على أن التكوين يعارض كل موجود نوعي بأمور غير ملائمة تدعوه إلى إعمال قواه الوجودية ليكمل بذلك في وجوده ويوصله غايته وسعادته التي هيأها له فما بال الإنسان لا يعتني في شأنه بذلك؟.