و هذا هو الذي يدل عليه قوله تعالى"و ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون:"الدخان - 39 ، وقوله تعالى:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا:"ص - 27 ، فكما أن صانعا من الصناع إذا صنع شيئا لعبا ومن غير غاية مثلا انقطعت الرابطة بينه وبين مصنوعه بمجرد إيجاده ، ولم يبال: إلى ما يئول أمره؟ وما ذا يصادفه من الفساد والآفة؟ لكنه لو صنعه لغاية كان مراقبا لأمره شاهدا على رأسه ، إذا عرضه عارض يعوقه عن الغاية التي صنعه لأجلها وركب أجزاءه للوصول إليها أصلح حاله وتعرض لشأنه بزيادة ونقيصة أو بإبطاله من رأس وتحليل تركيبه والعود إلى صنعة جديدة ، كذلك الحال في خلق السموات والأرض وما بينهما ومن جملتها الإنسان ، لم يخلق الله سبحانه ما خلقه عبثا ، ولم يوجده هباء ، بل للرجوع إليه كما قال تعالى:"أ فحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون:"المؤمنون - 115 ، وقال تعالى:"و أن إلى ربك المنتهى:"النجم - 42 ، ومن الضروري حينئذ أن تتعلق العناية الربانية إلى إيصال الإنسان كسائر ما خلق من خلق إلى غايته بالدعوة والإرشاد ، ثم بالامتحان والابتلاء ، ثم بإهلاك من بطل في حقه غاية الخلقة وسقطت عنه الهداية ، فإن في ذلك إتقانا للصنع في الفرد والنوع وختما للأمر في أمة وإراحة الآخرين ، قال تعالى:"و ربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين:"الأنعام - 133 ، انظر إلى موضع قوله تعالى: وربك الغني ذو الرحمة.
وهذه السنة الربانية أعني سنة الابتلاء والانتقام هي التي أخبر الله عنها أنها سنة غير مغلوبة ولا مقهورة ، بل غالبة منصورة كما قال تعالى:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير:"الشورى - 31 ، وقال تعالى:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:"الصافات - 173.
ومن أحكام الأعمال من حيث السعادة والشقاء: أن قبيل السعادة فائقة على قبيل الشقاء ، ومن خواص قبيل السعادة كل صفة وخاصة جميلة كالفتح والظفر والثبات والاستقرار والأمن والتأصل والبقاء ، كما أن مقابلاتها من الزهاق والبطلان والتزلزل والخوف والزوال والمغلوبية وما يشاكلها من خواص قبيل الشقاء.
والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة متكثرة ، ويكفي في ذلك ما ضربه الله تعالى مثلا:"كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ، ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحيوة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء:"إبراهيم - 27 ، وقوله تعالى:"ليحق الحق ويبطل الباطل:"الأنفال - 8 ، وقوله تعالى:"و العاقبة للتقوى:"طه - 132 ، وقوله تعالى:"و لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون:"الصافات - 173 ، وقوله تعالى:"و الله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون:"يوسف - 21 ، إلى غير ذلك من الآيات.
وتذييل الكلام في هذه الآية الأخيرة بقوله: ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، مشعر بأن هذه الغلبة من الله سبحانه ليست بحيث يفقهها جميع الناس بل أكثرهم جاهلون بها ، ولو كانت هي الغلبة الحسية التي يعرفها كل أحد لم يجهلها الأكثرون ، وإنما جهلها من جهلها ، وأنكرها من أنكرها من جهتين: .